الابتلاء والفتنة، ولما أفضى إليه بكى فقال: ما الذي عليه بكى، وإلى أرحب ما كان
فيه أفضى؟ كلا، ما بكى حتى يلقاه قل المبرة فيه الأذى، وتلك آية على وجود
الابتلاء الذي وجد له، والمحنة التي أعدت له ومقدمة معرفة ما هو صائر إليه من
الفزع يوم ينفخ في الصور ويبعث من في القبور.
لما يؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكا الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لا وسع مما كان فيه وأرغد
ثم تلمظ لما جاء يستدعي على الرضاع، فلم يألُ في إجهاد حلمة الثدي
مصًّا للبن أمه، فلما أساغه وسرى في جسمه سكنت حرارة جوعه، فسكن فقلت:
ليت شعري، كيف اهتدى لمصِّ ثدي أمه وهو لا يرى ولا يسمع ولا يعقل ولا يعلم
ولا يعي ولا يفهم؟
ومن أين علم أن هناك لبان يغذوه، وإنه بالمص يستخرجه وبالإساغة يتم
غذاءه، ويهدي جوعه ولم يعرف شيئا من ذلك؟! بل الذي خلقه فقدره هداه إلى ما
له قدَّره، وهذه آية على تثبيت الله - عز وجل - الذن آمنوا يوم القيامة، وفي عرصة المحشر؛
إذ لا اختيار لأحد ولا رأي يدبره، بل الأمر كله لله.
يقول الله جل من قائل:(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ).
(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) بما
فطرهم عليه من الإسلام، وأضل الظالمين عن ذلك، وفي الأغلب أنه لا رأي في
ذلك للعقل، وإن كان فالرأي والكسب في ذلك وغيره لله جل ذكره.
كلا ما اهتدى لذلك بتمييزه ولا بعلمه، بل هداه إلى ذلك خالقه ومصوره
ومربيه ومدبره، وجاعله سبب حياته ونموه وبلوغه إلى منازل رزقه وإتمام أجله،
كما هداه - جلَّ جلالُه - إلى فطرته، وأضله عن هدايته؛ ليبلغه إلى تمام كلمته وما سبق له في
علمه من شقاوة أو سعادة لأجل هداية تكون منه أو ضلالة.
ثُمَّ هو لا يزال ينتقل في مراتب إنشائه منقلة منقلة كما يقربه إلى أجله مرحلة
مرحلة حتى بلغ به مداه، وركب فيه العقل وصحة التمييز والفطنة وحسن التدبير،