وإنما كان محتويًا كل شيء في السماء بواسطة الماء، فحكم جميع
الحيوان حكم جميع الجنات التي أخرجها بالماء ينزله من السماء إلى الأرض، لما
كان على جنات أو مرصدة لأن تكون كذلك كالشبيه من الآباء والأمهات، وربما
هجس في خاطر ما يكون في الأرض موجودات للدود والحيات والخشاش، ولا
يوصف بأنه من الجنة، ولا يكون منها.
فالجواب: هو في معنى قول الله عز من قائل:(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا)المعنى إلى آخره.
وإنما كان الزبد في الماء بازدواجه بالأرض وبها في الجو من النار والبرد
الموجود عن نفَسَيْ جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته منها - فإذا كان يوم القيامة
خلص الله جلَّ ذكره الطيب من الخبيث، ثم جعل هذا في الجنة وهذا في النار، هذا
كله آيات بينات عن وجود العالي، إذ العدم ظلمة ومجهل، والوجود نور ومعلم،
نصَّ الله على ذلك بقوله الحق عن قوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
ثم وجود القوى في الجماد والنبات آيات على وجود الملائكة - على
جميعهم السلام - ووجود الجن، ثُمَّ وجود العلوم والعقول والأحلام والأفكار
والحيَّات على أنواعها بجميع صفاتها ومعانيها، آيات مبينات عن وجود أسمائه
الحسنى وصفاته العليا بعد تحصيل العقد بأن (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
واستشعار النفس معنى قوله الحق:(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ
الْعَزِيزُ)المنيع وصفه عن سواه (الْحَكِيمُ) أحكم كل شيء
وأودعه دلالة عليه، وحمَّله الشهادة له بما هو أهله، فكل شيء في السَّمَاوَات
والأرض يسبحه بعلائه وعظمته عن سفال نفسه وحقارتها.
وهو معنى قوله الحق جل قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)
وهو أيضًا عبرة إلى أن في النار لأهل النار أمطار يمطرونها وصواعق
يصعقونها.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ(35) فَبِأَيِّ آلَاءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) .