والشاهد والغائب موضع عبرته، والمقصود بالبيان مطلوبه.
وربما خفي المطلوب في الحاضر وظهرت مثالاته في الغائب بظهور أكثر
المعاني فيما هنالك وخفائها هنا؛ لأجل دقيقها، فعلى هذا فليجعل الغائب أمامه
وشاهده وموضع عبرته؛ لتصل له معرفة الأشباه والأمثال شاهدًا وغائبًا، وخفية مواقعه
الإسهاب والإطالة أن يضطر تسلق سبل الاعتبار حال حقائقها إلى عبارة يتوهم أنها
من الخطل، ويظن بالمعنى المعبر عنه من أجل ذلك ما ليس به لما قد يغلب على ظن
السامع من رأيٍ كاذب، لا سيما غير الفطن المجرب، فلذلك منع من إثباته في
كتاب، وذم مستقصى به زمام، وبالله نستعين على ما يرضيه وإياه نستجير.
(فصل)
إن قال قائل: الإيمان بالغيب معهود، كشهادتنا أن الله حق، وأن الملائكة حق،
والنبيين حق، والساعة حق، ونحو هذا من الشهادة، فإن ذلك موجود حاضر وإن لم
يُرَ، وهو الآن معدوم وسيكون في المستقبل، وأما ما ذكرته فنوع آخر تنكره
المشاهدة، ولا يكاد العقول تستقر على حال الإقرار به.
فالجواب: إن ذلك كذلك، لكن ما ذكرته من الغيب فهو أولى بحال الإيمان
بالغيب، وهو المنصوص عليه من مطالبة المكلفين بالإيمان، وكما أن الغيب ظاهر
بالإضافة إليه كذلك له باطن، وإن عقلاً لا يقضي بأن للفعل فاعلاً وللصنعة صانعًا،
وأن خالق الأرض والسماوات وفاعل النور والظلمات أحق أن يتبع، ويُبتغَى
مرضاته، وتطاع أوامره لعقل غير صحح.
وكذلك التفريق بين العادة وخوفها، والمعهود من القدر والمعجزات، وكذلك
الاستدلال بقوى الحيوان والنبات، وأفاعيل ما يحدث في الأرض والسماوات على
اتصال حكم الشيء في طريق العبرة إلى وجود الملائكة والجن، وغير ذلك من
الأمور الغائبات.
وكذلك الاستدلال بتقضي الآجال، وحدوث الأحكام عندها على الساعة، وما
يكون إخبارًا عنها وفيها، ثم أدرج القرآن العزيز غير ما هي من وراء ذلك، وكشف
عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهي أحوال البرزخ، ولا يكون أحوالا إلا المحول عليه بحدها،
وأحدها على سبيل الجزاء نعيمًا وعذابًا وإكرامًا وإهانة، ولا يكون ذلك مؤثرا لا