ثم قال تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله} أي وإن كانت التولية لكبيرة.
وقيل: المعنى: وإن كانت القبلة لكبيرة: وإن كانت التحويلة لكبيرة.
وقيل: المعنى: وإن كانت الصلاة إلى بيت المقدس لكبيرة، أي: لعظيمة فِي صدور الناس حين قالوا: ما لهم صلّوا إلى هاهنا ستة عشر/ شهراً ثم انحرفوا،
فعظم على قوم ذلك حتى نافقوا وارتدوا وحتى أظهر أهل النفاق نفاقهم.
وقوله: {إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله} .
أي الذين وفق الله إلى الحق، فإنهم ثبتوا على إيمانهم، وقبلوا ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} .
قال ابن عباس:"لما توجّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؛ فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} . وهذا معنى قول قتادة وغيره."
وإنما أتى الجواب على الخطاب لهم دون الأموات، لأن الأموات غُيَّبٌ والسائلون عن ذلك مخاطبون. والعرب تغلب المخاطب على الغائب، فلذلك قال: {لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} . ولم يقل إيمانهم.
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال فِي قول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} :"هي الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة إلى"
الكعبة"."
ثم قال: {إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} .
أي: إن الله بجميع عباده لذو رأفة ورحمة، فكيف يضيع أعمالهم التي عملوها فلا يثيبهم عليها وكيف يؤاخذهم على ما لم يفترض عليهم.
والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق فِي الدنيا ولبعضهم فِي الآخرة. وتسمية الله [جل ذكره الصلاة إيماناً فِي هذه الآية] ردّ على المرجئة الذين يقولون إن الصلاة ليست من الإيمان.