واعلم أن النية في طلب الولد وفقده وقصد بقائه، إذا صحت النية حصل الثواب الجزيل على النيتين جميعاً، لأن الأعمال بالنيات، فإنه ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: ما من أهل ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، إلا عبد الله بن عمر فإني أحب أن يبقى في الناس.
يؤيد ذلك ما ثبت «في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» .
وفي حديث أنس مرفوعاً: سبع يجري أجرها للعبد بعد موته،
فذكر منها: أو ترك ولد يستغفر له بعد موته.
وهذا عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قد سماه النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الصالح أو العبد الصالح، ولا شك أن العبد، إذا حصل له أجر مستمر بعد موته، هو أولى من حصول أجر في حياته ثم ينقطع بالموت، فإن العبد من أحوج الناس بعد موته إلى الحسنات وبموته قد انقطع عمله إلا ما أخبر به الصادق المصدوق في هذا الحديث المتقدم، فطلب الولد وبقاؤه أنفع للعبد فيما فهمت، ولكن أولئك لما خالط قلوبهم قوة الإيمان والتصديق بالقضاء والقدر، والرضى به، برزوا بالقول، وقل من يصبر على تحمل البلوى عند الحقيقة، والله أعلم.
(فصل: في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه")
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» و «إن الميت يعذب بالنياحة عليه» وقد تقدمت هذه الأحاديث، فاختلف السلف والخلف في ذلك.
فقالت طائفة: الله يتصرف في خلقه بما يشاء، وأفعال الله لا تعلل، ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه، والتعذيب بما هو منسوب إليه، لأن الله تعالى خالق الجميع، والله تعالى يؤلم الأطفال والبهائم والمجانين بغير عمل عملوه.
وقالت طائفة أخرى: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنكرتها عائشة - رضي الله عنها - واحتجت بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ثم أحاديث لم نذكرها بعد، وهي مما استدلت بها عائشة رضي الله عنها.
ومنها «عن عروة، قال: ذكر عند عائشة، أن ابن عمر - رضي الله عنهما - يرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله.
فقالت: ذهل إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن».
(فصل)