وقال ابن الجوزي: عن الحسن، ثنا أبو الأحوص، قال: دخلنا على ابن مسعود - رضي الله عنه - وعنده بنون له ثلاثة، غلمان كأنهم الدنانير فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال: كأنهم يغبطونني؟ قلنا: إي والله، لبمثل هؤلاء يغبط المسلم، فرفع رأسه إلى سقف البيت، وقد عشش فيه خطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده، لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم، أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف وينكسر بيضه، ثم قال: ما أصبحت على حال، فتمنيت أني على سواها.
وروى هناد بن السري في الزهد، عن كثير بن تميم الداري، قال: كنت جالساً مع سعيد بن جبير فطلع عليه ابنه عبد الله بن سعيد، وكان به من الفقه، فقال: إني لأعلم خير حالاته، فقالوا: وما هو؟ قال: أن يموت فأحتسبه.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن سفيان، قال: سمعت سفيان يقول: ما في الأرض أحب إلي من سعيد، وما في الأرض أحد يموت أحب إلي منه، فمات، فرأيته يبكي، قلت: قد كنت تمنى موته! قال: أذكر قوله: آه جنبي.
وفي تاريخ الرقة للحراني: ثنا أحمد بن بديع، ثنا أبي، قال: سمعت عمر بن ميمون بن مهران يقول: كنت مع أبي ونحن نطوف بالكعبة، فلقي أبي شيخاً فعانقه أبي، ومع الشيخ فتى قريباً مني، فقال له أبي: من هذا؟ قال: ابني فقال: كيف رضاك عنه؟ قال ما بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه إلا واحدة، قال: وما هي؟ قال: كنت أحب أن يموت وأوجر فيه! قال: ثم فارقه أبي، قال: فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ قال: هذا مكحول.
والمقصود أن هذا المقام مقام عظيم شريف لمن يطلب المصيبة ويفرح بها نظراً إلى ثوابها، وما يفعل ذلك أحد حتى يعلم من نفسه القوة والصبر والجلد والركون إلى دعوى النفس، وما أكثر ما تخلف الوعد وتنقد العهد فإن الغالب متى ما أظهرت الدعوى وكلت إليها، وطولبت بتصحيح دعواها فتقصر عند الحقيقة وتميل عن تقويم الطريقة.
وكان سحنون - رحمه الله - يقول: قد رضيت ما تقضيه، فابتلني بما شئت، فابتلاه الله بحصار البول، فما صبر، فكان يدور على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب.
فالطريقة الكاملة، قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية» .