فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 49683 من 466147

فإذا علم المصاب أنه لو فتش العالم، لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، فسرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيراً، وإن سرت يوماً ساءت دهراً، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً، وما ملأت داراً حبرةً إلا ملأتها عبرةً وما حصلت للشخص في يوم سروراً، إلا خبأت له في يوم شروراً.

قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ ترحاً.

وقال ابن سيرين: ما كان ضحك قط إلا كان بعده بكاء.

فليعلم العبد أن فوت ثواب الصبر والتسليم هو الصلاة والرحمة والهداية في قوله تعالى: {إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} .

وقد تقدم ذلك، فما ضمنه الله على الصبر والاسترجاع، أعظم من المصيبة في الحقيقة، والله أعلم.

(فصل: في أن مرارة الدنيا هي حلاوة في الآخرة)

ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر العبد بعين بصيرته، فيعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة في الآخرة، يقبلها الله تعالى، وحلاوة الدنيا هي بعينها مرارة في الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة، خير من عكس ذلك، فإن خفي عليك ذلك فانظر إلى قول الصادق المصدوق، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» ، وكذلك قوله في الصحيح:

«يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول لا والله يا رب» ، الحديث.

وهذا المقام تتفاوت فيه عقول الناس، وتظهر حقائق الرجال، فأكثر أهل زماننا يؤثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول، ولم يتحمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد ولا محنة ساعة لعافية الأبد، فإن الحاضر عنده شهادة، والمنتظر غيب، والإيمان ضعيف، وسلطان الشهوة حاكم، فتولد من ذلك إيثار العاجلة ورفض الآخرة، وهذا حال النظر، الواقع على ظواهر أكثر أهل زماننا في أوائل أمورهم ومبادئها، وما ذاك إلا لحبهم هذه الحياة الدنيا.

قال وهب بن منبه: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يقول: بحق أقول لكم، إن أشدكم حباً للدنيا أشدكم جزعاً على المصيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت