وَوَجْهُ انْتِفَاءِ حُجَّتِهِمْ عَلَى الطَّعْنِ فِي النُّبُوَّةِ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ: هُوَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ كُتُبِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ الَّذِي يُبْعَثُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَكُونُ عَلَى قِبْلَتِهِ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، فَجَعْلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قِبْلَةً دَائِمَةً لَهُ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ النَّبِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ التَّحْوِيلُ عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ نَبِيًّا مَنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ جَاءَ لِإِحْيَاءِ مِلَّتِهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ غَيْرَ بَيْتِ رَبِّهِ الَّذِي بَنَاهُ وَكَانَ يُصَلِّي هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ إِلَيْهِ، فَدُحِضَتْ حُجَّةُ الْفَرِيقَيْنِ وَكُبِتَ الْمُنَافِقُونَ مِنْ وَرَائِهِمْ (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) أَيْ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يَظَلُّونَ يَلْغَطُونَ بِالِاحْتِجَاجِ جَهْلًا أَوْ عِنَادًا لِلْإِضْلَالِ، كَقَوْلِ الْيَهُودِ: رَجَعَ إِلَى قِبْلَةِ قَوْمِهِ لِإِرْضَائِهِمْ وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِهِمْ، وَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ: إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ مُتَرَدِّدٌ لَا يَثْبُتُ عَلَى قِبْلَةٍ. وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْآرَاءِ الَّتِي يُزَيِّنُهَا الْهَوَى لِلْأَعْدَاءِ، فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ بِكِتَابٍ وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِبُرْهَانٍ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى حِكَمِ الْأُمُورِ وَأَسْرَارِهَا بَلْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَشَرْعِهِ بِلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَثَارُوا الْفِتْنَةَ، وَحَرَّكُوا رِيَاحَ الشُّبَهِ فِي مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ،