فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ابْتَدَأَ هَذِهِ الْآيَةَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الْوَارِدَةِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا، وَقَرَنَ بِهَا صِيغَةَ الْأَمْرِ السَّابِقَةِ وَجَمَعَ فِيهَا بَيْنَ خِطَابِ النَّبِيِّ وَخِطَابِ الْأُمَّةِ ; لِيُرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ التَّعْلِيلَ وَبَيَانَ الْحِكَمِ لَهُ وَهِيَ ثَلَاثٌ: الْأُولَى قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) لَيْسَ هَذَا الْجَمْعُ وَالْإِعَادَةُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَمَا قَالَ مُفَسِّرُنَا (الْجَلَالُ) وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْهِيدٌ لِلْعِلَّةِ وَتَوْطِئَةٌ ; لِبَيَانِ الْحِكَمِ الْمَوْصُولَةِ بِهِ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ مَعْهُودٌ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ لَا يَذُوقُونَ طَعْمَ الْأَسَالِيبِ الْبَلِيغَةِ يَكْتَفُونَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ بِقَوْلِهِمْ: كُلُّ ذَلِكَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، وَهُوَ نَظْمٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَلَا سِيَّمَا مَقَامُ الْإِطْنَابِ وَالتَّأْكِيدِ وَالِاحْتِجَاجِ وَإِزَالَةِ الشُّبَهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ: الْمُحَاجُّونَ فِي الْقِبْلَةِ الْمَعْرُوفُونَ ; وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ وَتَبِعَهُمَا الْمُنَافِقُونَ.