مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنَ الشِّرْكِ ، وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ بَعْضِ النَّصَارَى فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ: إِنْ فَعَلْتُ هَذَا أَكُونُ حَنِيفِيًّا . وَإِنَّهَا لَفَلْسَفَةٌ جَاءَتْ مِنَ الْجَهْلِ بِاللُّغَةِ ، وَقَدْ نَاظَرْتُ بَعْضَ الْإِفْرِنْجِ فِي هَذَا فَلَمْ يَجِدْ مَا يَحْتَجُّ بِهِ إِلَّا عِبَارَةَ ذَلِكَ النَّصْرَانِيِّ ، وَهُوَ الْآنَ يَجْمَعُ كُلَّ مَا نُقِلَ عَنِ الْعَرَبِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا ، وَلَا دَلِيلَ فِي كَلِمَةِ النَّصْرَانِيِّ الْعَرَبِيِّ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ تَدُلُّ لُغَةً عَلَى الشِّرْكِ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِكَلِمَتِهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ دِينِ الْعَرَبِ مُطْلَقًا ؛ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ كَانُوا يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمُ الْحُنَفَاءَ وَيَنْتَسِبُونَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِهِ ، وَكَانَ النَّاسُ يُسَمُّونَهُمُ الْحُنَفَاءَ أَيْضًا ، وَالسَّبَبُ فِي التَّسْمِيَةِ وَالدَّعْوَى أَنَّ سَلَفَهُمْ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَقِيقَةً
ثُمَّ طَرَأَتْ عَلَيْهِمُ الْوَثَنِيَّةُ فَأَخَذَتْهُمْ عَنْ عَقِيدَتِهِمْ وَأَنْسَتْهُمْ أَحْكَامَ مِلَّتِهِمْ وَأَعْمَالَهَا - نَسُوا بَعْضَهَا بِالْمَرَّةِ وَخَرَجُوا بِبَعْضٍ آخَرَ عَنْ أَصْلِهِ وَوَصْفِهِ كَالْحَجِّ ، وَنَفْيُ الشِّرْكِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي آخِرِ الْآيَةِ احْتِرَاسٌ مِنْ وَهْمِ الْوَاهِمِينَ ، وَتَكْذِيبٌ لِدَعْوَى الْمُدَّعِينَ .