وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ استبعاد وانكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء أي لا يرغب أحد عن ملته - والرغبة إذا عدى بالى فالمراد به الارادة وان عدى بعن فالمراد به الترك إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ السفه في الأصل الخفة ويقال لمن يتعجل في الافعال باتباع الهوى والشهوة من غير تدبر وتفكر في منافعه ومضاره خفيف وسفيه - وضده الحليم - ويسند السّفه بهذا المعنى إلى نفس الشخص والى رأيه فيقال زيد سفيه وسفه نفسه وسفه رأيه أي خف نفسه فيأتى بالافعال على خلاف ما اقتضاه العقل وخف رأيه وحينئذ لا يتعدى إلى مفعول وقد يستعمل بحرف الجر فيقال سفه زيد في نفسه وفي رأيه ولمّا كان السفه والخفة مستلزم لاهانة النفس واهلاكها وخفة الرأى مستلزم للجهل فيستعار ويقال سفه نفسه أي أهانها أو أهلكها أو جهلها فحينئذ يتعدى إلى مفعول - أو يقال تعدى إلى مفعول بتضمين معنى أهلك - أو أهان أو جهل ولهذا قيل في تفسير الآية سفه نفسه أي جعلها مهانا وذليلا حيث كفر بخالقه وعبد مخلوقا مثله - وقال أبو عبيدة أهلك نفسه - وقال الأخفش نصب بنزع الخافض وإفضاء الفعل اليه والمعنى سفه في نفسه - وقال الفراء أصله سفه نفسه بالرفع فلما أسند الفعل إلى صاحبها نصب على التميز كما يقال ضقت به ذرعا وطاب زيد نفسا في ضاق ذرعى وطاب نفس زيد - وقال ابن كيسان والزجاج معناه جهل نفسه وذلك انه من عبد غير الله فقد جهل نفسه لأنه لم يعرف الله خالقها - وقد جاء من عرف نفسه فقد عرف ربه - قلت ومعنى من عرف نفسه فقد عرف ربه انه من عرف حقيقة نفسه انه ممكن لا يقتضى ذاته وجوده ولا بقاءه لا يتصور له في نفسه وجود ولا قيام ولا بقاء - ولا يجوز حمله على نفسه حملا أوليا نحو زيد زيد الا بعد انتسابه إلى واجب وجوده قائم بنفسه قيوم لغيره لو لاه لم يوجد غيره وهو كالاصل للظلال وهو نور السماوات والأرض قيم الأشياء واقرب إلى الأشياء من أنفسها