وقال عطاء عن ابن عباس:"كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته".
وقال الحسن:"إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب نفسه".
فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم.
وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة.
والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم.
والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا.
والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها.
وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها.
وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه.
وقال في (التبيان) أيضا:
ومن ذلك قوله تعالى {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}
وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز أن يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم يقصد به مقسماً عليه معيناً فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسماً بها لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا
ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله {بلى} فإنها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين
وفي ذكر (البنان) لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما دون ذلك أقدر.