ثم إن اللَّه تعالى جعل بلطفه ورحمته في ذلك من اللطف ما يصير ذلك رزقا لهم بعد ذهاب عينه والقوة التي جعلت فيه، وكذلك ما جعل ذلك من الصلاح، والنضج، والطبخ، وما يرجع إلى الإصلاح لذلك، والأكل، والمضغ، والابتلاع، ونحو ذلك، ليس في ذلك إلا امتلاء البطن، وفي ذلك فساد، فجعل فيه من القوة ما ينشر في البدن والأطراف قوة؛ فيبقون بتلك القوة فيهم الحياة والبقاء، لا بنفس الرزق، وهو ما وصف اللَّه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) بتلك القوة يحيون، وبها يبقون.
ثم قوله تعالى: (الْمَتِينُ) قيل: المتين هو وصف ونعت لتلك القوة، فيجوز وصف تلك القوة بالمتانة، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - لا يوصف أنه متين، وهو كقوله تعالى: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) ، وصف العرش بالمجيد، والعرش غيره؛ فعلى ذلك القوة التي جعل فيها ما ذكرنا غيره يجوز أن توصف بما ذكرنا من المتانة، وهي القوة التي لا يملكها الخلق، ولا يدركون ذلك اللطف الذي جعل في ذلك، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) أي: ذو البطش الشديد فيما أهلك الأمم الخالية، واللَّه أعلم.
قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ(60)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف خوف اللَّه تعالى هذه الأمة بما أنزل على الأمم الخالية من الاستئصال والإهلاك، وقد عافى هذه الأمة عن هذا وأمَّنهم منه؟
قيل: إنما خوفهم بما ذكر؛ لأن المعنى الذي استوجب أُولَئِكَ الاستئصال والإهلاك به يحتمل أن يتحقق ذلك في هَؤُلَاءِ.
وقد يحتمل ألا يكون، فالتخويف صحيح لهَؤُلَاءِ بهم، وإنما يكون مثل هذا التخويف في أول الأمر، ثم إن اللَّه بفضله ورحمته عفا عنهم بفضل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ورحمته؛ كقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) .