قال: ونرى أن ذلك منهم أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون
ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء قيلًا: يا صاحبي ولا خليلي،
قال امرؤ القيس:
خليليَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبِ - نُقضَّ لبناتِ الفُؤادِ المعذبِ
ثم قال:
أُلمَ تَرياني كُلما جئتُ طارقا ... وَجَدْتُ بهَا طيبا وَإنْ لم تَطيبِ
فرجع إلى الواحد؛ لأنَّ أقل الكلام واحد في لفظ الاثنين، وأنشد أيضاً:
خَلِيليَّ قُوما فِي عَطَالَة فانْظُرا: ... أَناراً تَرَى مِنْ ذِي أَبانَيْنِ أَم بَرْقا؟
ولم يقل: تريا، فهذا وجه.
والجواب الثاني: أنه ثنى ليدل على التكرير، كأنه قال: القِ. القِ، فثنى الضمير ليدل على تكرير
الفعل، وهذا لشدة ارتباط الفاعل بالفعل، حتى صار إذا كُرر أحدهما فكأن الثاني كرر، وهذا قول
المازني، ومثله عندد: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) ، جمع ليدل على التكرير، كأنه قال: ارجعنِ
ارجعنِ ارجعنِ وقد شرحناه.
والثالث: أن الأمر تناول السائق والشهيد، كأنه قال: يا أيها السائق هلا أيها الشهيد ألقيا في جهنم.
والجواب الرابع: أنه ثنى لأن إلقاءه في النار لشدته بمنزلة إلقاء اثنين للواحد.
والجواب الخامس: أنه يريد (النون الخفيفة) كأنه قال: ألقَين. فأجرى الوصل مجرى الوقف، فأبدل من النون ألفاً، كما قال:
وَذا النُصب المنصوبَ لا تَنسُكنَّه ... ولا تَعبُدِ الأوثَانَ واللَّهَ فاعبُدَا
وعليه تأول بعضهم قول امرئ القيس:
قِفَا نَبكِ مِن ذكِرى حَبيب وَمَنزِلِ
من قال: أراد"قِفَنْ"لأنه يخاطب واحدا بدلالة قوله في آخر القصيدة:
أجارِ تَرَى بَرقًا أُريكَ وميضَه ... كلمع اليَدينِ في حَبيّ مُكللِ: هذا الجواب أضعف الأجوبة؛ لأنَّه محال أن يوصل الكلام والنية فيه الوقف.
قوله تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ(30)
قال أنس: طلبت الزيادة، وقال مجاهد: المعنى معنى الكفاية، أي: لم يبق مزيد لامتلائها، ويدل
على هذا القول (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ، ولا يمتنع القول الأول لوجهين: