فقوله - تعالى -: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: بل إن هؤلاء الكافرين في خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أي خلق مستأنف لهم بعد موتهم، مع أنهم - لو كانوا يعقلون - لعلموا أن القادر على الخلق من العدم، قادر على إعادة هذا المخلوق من باب أولى، كما قال - سبحانه -: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ .. .
قال الآلوسي: وقوله: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ عطف على مقدر يدل عليه
ما قبله، كأن قيل: إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه، فلا وجه لإنكارهم الثاني، بل هم في خلط وشبهة في خلق مستأنف .. .
وقال بعض العلماء ما ملخصه: في الآية أسئلة ثلاثة: لم عرف الخلق الأول؟ ولم نكر اللبس؟ ولم نكر الخلق الجديد؟.
وللإجابة على ذلك نقول: عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه تعريف الذكور في قوله يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ.
وأما التنكير فأمره منقسم، فأحيانا يقصد به التفخيم، من حيث ما فيه من الإبهام .. وهو المقصود هنا من تنكير لفظ لَبْسٍ. كأنه قيل: بل هم في لبس أي لبس.
وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره، وهو المقصود هنا بقوله من خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: أن هذا الخلق الجديد شيء هين بالنسبة إلى الخلق الأول، وإن كان كل شيء هين بالنسبة إلى قدرة الله - تعالى - .
ثم صورت السورة الكريمة بعد ذلك علم الله - تعالى - الشامل لكل شيء تصويرا يأخذ بالألباب، وبينت سكرات الموت وغمراته، وأحوال الإنسان عند البعث .. بيانا رهيبا مؤثرا، قال - تعالى -:
[سورة ق (50) : الآيات 16 إلى 22]
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16)
والمراد بالإنسان في قوله - تعالى -: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ .. جنسه. وقوله: تُوَسْوِسُ من الوسوسة وهو الصوت الخفى، والمراد به حديث الإنسان مع نفسه. قال الشاعر:
وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزرى بالأمل