وقيل: حديد من الحدة؛ أي: نافذ لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد - واللَّه أعلم -: إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم، وعن هذه الحال، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ(23) .
أي: يقول الملك الذي كان عليه رقيبا: إن كل ما عمل فهو عندي حاضر من تكذيب وعمل السوء، فيشبه أن تكون شهادة الحفظة عليه هذا القول.
ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا، يقول كل ملك: (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) . أي: هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ؛ إذ الكتاب الذي كثبت فيه أعماله حاضر.
ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا؛ حيث قال: (وَقَالَ قَرِينُهُ) ولم يقل: قريناه، وإن كان قال: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) ، على ما ذكرنا أنهما ملكان، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد، والآخر شاهد.
وجائز أن يكونا يكتبان جميعًا بقوله: (كِرَامًا كَاتِبِينَ) ، لكنه ذكر - هاهنا - بحرف التوحيد فقال: (وَقَالَ قَرِينُهُ لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا، وفي قوله:(عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) ، أي: كل واحد منهما قعيد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ(24) .
يحتمل أن يكون الخطاب بقوله - تعالى -: (أَلْقِيَا) لاثنين؛ على ما هو ظاهر الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) كأن الأمر بذلك لهما.
ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) لكن قال: (أَلْقِيَا) لوجهين: