يُرِيدُ بِقَوْلِهِ كَافِرٌ أَيْ لَابِسٌ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ التَّغْطِيَةُ. وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْكَافِرُ بِاللَّهِ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَطَّى نِعْمَةَ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ. وَقَوْلُهُ بِاللَّهِ سِيرِي يُقْسِمُ عَلَيْهَا أَنْ تَسِيرَ. وَقَوْلُهُ أَنْتَ رَبِّي يَعْنِي رَبِّي وَلَدَك مِنْ التَّرْبِيَةِ. وَإِلَهِي رَازِقُ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ كَمَا أَنَّهُ رَازِقُ الْوَلَدِ الْكَبِيرِ.
فَانْظُرْ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ الشَّنِيعِ، وَالتَّعَمُّقِ الْبَشِيعِ، مَا اعْتَاضَ مِنْ حَيْثُ الْبَدِيهَةُ إذَا سَلَّمَ بَعْدَ الْفِكْرِ وَالرَّوِيَّةِ إلَّا لُؤْمًا إنْ حَسُنَ فِيهِ الظَّنُّ، أَوْ ذَمًّا إنْ قَوِيَ فِيهِ الِارْتِيَابُ. وَقَلَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ خَلِيعٍ بَطِرٍ أَوْ مُرْتَابٍ أَشِرٍ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ» فَخَارِجٌ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّلْبِيسِ. وَفِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ الْمُحْدَوْدِبِ، مَأْخُوذٌ مِنْ النَّبْوَةِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ أَرَادَ الطَّرِيقَ، وَمِنْهُ سُمِّيَ رُسُلُ اللَّهِ أَنْبِيَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ الطُّرُقُ إلَيْهِ. إنَّمَا زَالَ عَنْهُ التَّلْبِيسُ إذَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ تَلْبِيسًا شَنِيعًا؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ خِطَابِهِ وَشَوَاهِدَ أَحْوَالِهِ يَصْرِفَانِ كَلَامَهُ عَنْ التَّجَوُّزِ وَالِاسْتِرْسَالِ فِي أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ إلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ بِهِ شَرْعٌ وَيَنْهَى عَنْهُ نَبِيٌّ. وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ افْتَرَقَ وُجُودُهُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ يَجْتَنِبَ أَمْثَالَ الْعَامَّةِ الْغَوْغَاءِ وَيَتَخَصَّصَ بِأَمْثَالِ الْعُلَمَاءِ الْأُدَبَاءِ فَإِنَّ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْ النَّاسِ أَمْثَالًا تُشَاكِلُهُمْ، فَلَا تَجِدْ لِسَاقِطٍ إلَّا مَثَلًا سَاقِطًا وَتَشْبِيهًا مُسْتَقْبَحًا. وَلِلسُّقَّاطِ أَمْثَالٌ فَمِنْهَا تَمَثُّلُهُمْ لِلشَّيْءِ الْمُرِيبِ، كَمَا قَالَ الصَّنَوْبَرِيُّ: