فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 421069 من 466147

الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها، كالصانع يعلم دقائق صنعته، فالساعة مثلاً حين تتعطل منك لا تعرف فيها شيئاً، فتذهب بها إلى الساعاتي، وبمجرد أنْ ينظر إليها يعرف مكان العطل بها ويُصلحه بحركة بسيطة جداً.

فالحق سبحانه خلق الإنسان، فالإنسان صنعته وإبداعه، لذلك يعلم خفايا نفسه لا مجرد ظواهر عمله، لأن ظواهر العمل معروفة للناس، فلا مزية في معرفتها، أما ما تُوسوس به النفس فهو أمر غيبي عن الآخرين لا يطلع أحدٌ عليه ولا يعلمه إلا الله، وهذه من آيات الله في الأنفس

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ ..} [فصلت: 53] .

وسمَّى الخواطر التي ترد على البال وسوسة، وهي في الأصل صوت الحلي، والوسوسة تكون مرة من النفس ومرة من الشيطان، لذلك لا تكون إلا بشرٍّ، وقد بيَّن الإمام عليٌّ الفرق بينهما حينما سأله سائل: كيف أعرف مصدر هذه الوسوسة، أهي من النفس أم من الشيطان؟

فقال: النفس تقف بك عند معصية بعينها لا تتزحزح عنها، أما الشيطان فيريدك عاصياً على أيِّ صورة، فإنّ خالفته في معصية زين لك الأخرى وهكذا حتى يوقعك.

والنفس هي الأصل في الوسوسة، لأننا لو أخذنا معصية إبليس الأولى وقلنا مَنْ وسوس له بها؟ نفسه، والشاعر لما نظم هذا المعنى قال: إبليس لما عصى مَنْ كان إبليسه؟

فالمسألة إذن راجعة للنفس، وإبليس يستغل شهوة النفس وينميها ويُزينها لصاحبها، والعجيب أن هذه الوساوس حينما تلح على الإنسان تُغرقه في الهموم والتخيلات التي لا أساسَ لها، فينشغل بأشياء لم تحدث يتصور أنها حدثت، أو أحداث ماضية يعيدها من جديد.

وهكذا تحاصره الهموم فتكلمه تجده ساهياً أو يمشي يُكلِّم نفسه، والعقال هو الذي لا يترك نفسه نهباً لهذه الوساوس، ويعلم أنه له رباً يعلم ما توسوس به نفسه.

رب كريم يفرج الكروب ويزيل الهموم، العاقل هو الذي يعلم أن ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.

وخُلق المؤمن أنْ يكون عنده رصيد من إيمانه يعصمه، فإنْ عزَّتْ عليه الأسباب لجأ إلى المسبِّب، فهو أبداً لا ييأس ولا يستسلم.

قلنا: لو أن رجلاً معه جنية واحد لا يملك غيره وضاع منه لا شكَّ أنه يحزن، خاصة إذا كان غريباً مثلاً، لكن لو ضاع منك جنيه وفي البيت عشرة، فالحزن يكون أقلّ، فما بالك إنْ كان معك رصيد من رب العالمين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت