والخطاب للمقصود من الإنسان وبالمقصود الأول منه وهم المشركون لأنهم أشدّ كراهية للموت لأن حياتهم مادية مَحضة فهم يريدون طول الحياة قال تعالى: {ومِن الذين أشركوا يَودّ أحدهم لو يُعَمَّر ألف سنة} [البقرة: 96] إذ لا أمل لهم في حياة أخرى ولا أمل لهم في تحصيل نعيمها ، فأما المؤمنون فإن كراهتهم للموت المرتكزة في الجبلة بمقدار الإلف لا تبلغ بهم إلى حد الجزع منه.
وفي الحديث"من أحب لقاء الله أحبّ الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، وتأويله بالمؤمن يحب لقاء الله للطمع في الثواب ، وبالكافر يكره لقاء الله.
وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"إن المؤمن إذا حضرته الوفاة رأى ما أعد الله له من خير فأحب لقاء الله"أي والكافر بعكسه ، وقد قال الله تعالى خطاباً لليهود {قل إن الموت الذي تَفِرُّون منه فإنه ملاقيكم} [الجمعة: 8] .
وتقديم {منه} على {تحيد} للاهتمام بما منه الحياد ، وللرعاية على الفاصلة.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)
عطف على {وجاءت سكرة الموت بالحق} [ق: 19] على تفسير الجمهور.
فأما على تفسير الفخر فالجملة مستأنفة وصيغة المضيّ في قوله: {ونُفِخ} مستعملة في معنى المضارع ، أي ينفخ في الصور فصيغ له المضي لتحقق وقوعه مثل قوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل: 1] ، والمشار إليه بذلك في قوله: {ذلك يوم الوعيد} إذ أن ذلك الزمان الذي نفخ في الصور عنده هو يوم الوعيد.
والنفخ في الصور تقدم القول فيه عند قوله تعالى: {وله الملك يوم ينفخ في الصور} في سورة الأنعام (73) .
وجملة ذلك يوم الوعيد معترضة.
والإشارة في قوله: {ذلك يوم الوعيد} راجعة إلى النفع المأخوذ من فعل {ونُفخ في الصور} .