كذلك صدّقه في خبر الإسراء والمعراج ولم يناقش مثل غيره، بل قال عن رسول الله: إنْ قال فقد صدق، لقد أخذها بالعقل، وبما لديه من مقدمات من سيرة رسول الله.
لذلك كلمة (محمد) ذاتها دليل على صدقه، فقوله تعالى:
{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ..} [الفتح: 29] محمد مبتدأ أخبر عنه بأنه رسول الله، ومحمد بمعنى محمود يحمده الناس ويثنون عليه.
إذن: هو من بدايته ونشأته مُعَدٌّ لهذه المهمة، لذلك ما جرَّبوا عليه كذباً أبداً، ولا شيئاً مما كان يفعله أترابه في الجاهلية، فكأنه يقول لهم: محمد هذا الذي تعرفونه، وتعرفون ماضيه وسيرته فيكم هو رسول الله، وكأن علة الإيمان بالرسول أنه محمد.
وسبق أن بيَّنا كيف عصمه الله من الزلل؟ وكيف عصمه من انكشاف عورته؟ لذلك ورد على لسانه صلى الله عليه وسلم وهو يجادل قومه:
{فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] .
يعني: أنتم تعرفون عني كل شيء، تعرفون أنِّي لا أكذب، ولم يسبق لي أنْ وقفت خطيباً فيكم ولا شاعراً. إذن: لماذا تُكذِّبونني؟.
وكلمة {هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 2] ليستْ تكراراً للتعجب في {بَلْ عَجِبُواْ ..} [ق: 2] بل عجيبٌ بالذي قيل، عجيبٌ قالها الكافرون، وقد شرحها القرآن في قوله تعالى:
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94] .
فردَّ عليهم: ماذا تريدون؟ قالوا: نريده مَلَكاً، فقال لهم: إذا كان مَلَكاً فسوف يأتيكم في صورة بشر، إذن: ستظل الشبهة كما هي.
{أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}
هنا نقلوا المسألة من الاعتراض على بشرية الرسول إلى التشكيك في عملية البعث بعد الموت، وهكذا أصبح لدينا جوابان للقسم
{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1] .
الجواب الأول: إنك لمنذر والثاني: لتبعثُنَّ، الأول: أخذناه من قوله:
{بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ..} [ق: 2] والثاني: من قوله سبحانه: {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] .
ومعنى {رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] أي: رجوع إلى الحياة بعد أنْ نموت ونصير تراباً، هذا أمر بعيد عن أذهانهم، لماذا؟ وأنتم عندكم آثار سيدنا إبراهيم وإسماعيل وبقايا الديانات السابقة، وتعرفون الله وتعترفون أنه خالقكم وخالق السماوات الأرض.