وقوله: {لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ..} [محمد: 38] في كل الوجوه التي يحبها الله في الإنفاق من خَلْقه لخلقه، وهو سبحانه قادر أنْ يغني الجميع فلا يحتاج أحد لأحد، إنما أراد سبحانه أنْ تتواصل القلوب وتتشابك المصالح ويترابط الخَلْق بمشاعر الإيمان، حيث يعطف الغني على الفقير، ولا يحقد الفقير على الغني، وحيث يرحم القوي الضعيف.
لكن لما دعاهم الله للإنفاق كان منهم قسم يبخل {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ..} [محمد: 38] وهؤلاء هم الذين لا يفهمون فلسفة التجارة مع الله ولا عاقبة الإنفاق، لا يعرفون أن النفقة بهذا الشكل تزيد المال ولا تنقصه، واقرأ:
{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245] .
الإنفاق في سبيل الله مثل رجل حصد القمح وأدخل المخزن عنده عشرة أرادب مثلاً عندما يأخذ أردباً منها ليزرع به الأرض من جديد، هل يقول أن القمح نقص أردباً؟ لا لأنه سيأخذه مضاعفاً.
إذن: لا تنظر إلى ما يخرج لكن انظر أيضاً إلى ما سيأتي لتكتمل الصورة ويكون الحساب صحيحاً، حتى الربا في تعاملات الناس يعطيك بزياة خمسة أو عشرة في المائة.
أما ربك عز وجل فيعطيك سبعين أو سبعمائة أو أضعاف ذلك، واقرأ:
{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .
لذلك وقف المستشرقون عند حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مكتوب على باب الجنة أن الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر"وقالوا: هذا مناقض للقرآن الذي يقرر أن الحسنة بعشر أمثالها، والواقع أنه لا يوجد بينهما تناقض أبداً، لأنني حين أُخرج الدرهم قرضاً يعطيني عشرة منها الدرهم الذي دفعته. إذن: أعطاني تسعة فحين تُضاعف تكون ثمانية عشر.
والحق سبحانه وتعالى لما حثَّنا على القرض علَّمنا كيف نتعامل مع المقترض، فقال:
{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280] .