إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه وينتهي، إنما يعرض الأمر عليه، كالذي يعرف المألوف من الأمر، فالأمر في حسه هكذا، ربه يريد فليكن ما يريد، وابنه ينبغي أن يعرف، وأن يأخذ الأمر طاعة واستسلاماً، لا قهراً ولا اضطراراً؛ لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر، ويتذوق حلاوة التسليم لأمر ربه.
إن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - يحب لابنه إسماعيل - صلى الله عليه وسلم - أن يتذوق حلاوة الإيمان، ولذة التطوع التي ذاقها.
فماذا كان من أمر الغلام الذي يعرض عليه الذبح تصديقاً لرؤيا رآها أبوه؟.
{قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) } [الصافات: 102] .
لقد تلقى الأمر لا في طاعة فحسب، ولكن في رضى كذلك ويقين.
ثم هو الأدب مع الله بالاستعانة به على ضعفه، ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة.
فلم يأخذها بطولة، ولم يأخذها شجاعة، إنما أرجع الفضل كله لله، إنْ هو أعانه على ما يُطلب إليه، وأصبره على ما يراد به.
ثم يزيد البلاء بدفعه إلى التنفيذ: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) } [الصافات: 103] .
ألا ما أعظم هذا الابتلاء، لقد كب إبراهيم ابنه على جبينه ليذبحه، والغلام استسلم للذبح فلا يتحرك اقتناعاً، وقد وصل الأمر إلى أن يكون عياناً.
لقد أسلما، فهذا هو الإسلام في حقيقته، ثقة وطاعة، وطمأنينة ورضى، وتسليم وتنفيذ.
وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي تنبي عن الإيمان العظيم.
إنها ليست الشجاعة ولا الاندفاع، إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل، القاصد المريد، العارف بما يفعل، المطمئن لما يكون.
بل هنا الرضا الهادي المتذوق لحلاوة الطاعة.
وهنا كان إبراهيم وإسماعيل قد أسلما، ولم يبق إلا أن يذبح إبراهيم ابنه إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه.
وهذا أمر لا يعني شيئاً في ميزان الله، بعد ما وضع الأب وابنه في هذا الميزان من روحهما وعز مهما كل ما أراده الله منهما، فالابتلاء قد تم، ولم يبق إلا الألم البدني، وإلا الدم المسفوح، والجسد الذبيح.