ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن بنزوله منجماً مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك ، وليس أحد منهم يقدر أن ينكره قال: {بما نزل} أي ممن لا منزل إلا هو منجماً مفرقاً ليجددوا بعد الإيمان به إجمالاً الإيمان بكل نجم منه {على محمد} النبي الأمي العربي القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل - صلى الله عليه وسلم - ، ولما كان هذا معلماً بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان به - صلى الله عليه وسلم - لم يعتد به ، اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم علته حثاً عليه وتأكيداً له فقال تعالى: {وهو} أي هذا الذي نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - مختص بأنه {الحق} أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ينسخ كائناً {من ربهم} المحسن إليهم بإرساله ، أما إحسانه إلى أمته فواضح ، وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة ، وأمته هي الشاهدة لهم.
ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق ، بين ما أثمر لهم ذلك دالاً على أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره ، فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى: {كفر} أي غطى تغطية عظيمة {عنهم} في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان {سيئاتهم} أي الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من المحاسن وهدى أعمالهم.
ولما كان من يعمل سوءاً يخاف عاقبته فيتفرق فكره ، إذ لا عشية لخائف قال تعالى: {وأصلح بالهم} أي موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الدارين ، قال ابن برجان: وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه ، وإذا فسد فبالضد من ذلك.