قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ} ما قال القوم هذا القول حتى شاهدوا بقلوبهم وعقولهم وأرواحهم وأسرارهم مشاهدة الحق سبحانه فإذا رأوه قالوا ربنا الله كطلاب الهلال سكتوا في طلبه فإذا رأوه يقولون هذا الهلال وصاحوا وتصفقوا وضحكوا لهذا القول منهم بعد كشف مشاهدة الحق لهم فلما رأوه احبوه وعرفوه وشربوا من بحار وصاله وجماله وجلاله شربات المحبة والشوق وتمكنوا شربها حتى استقاموا بقوتها في موازاة روية أنوار الآزال والأباد واستقاموا في مراد الله منهم واداء حقائق عبوديته فلا يبقى عليهم خوف الحجاب ولا حزن العتاب قال الله تعالى {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قال ابن طاهر استقاموا على ما سبق منهم من الإقرار بالتوحيد فلم يروا سواه منعما ولا شكروا سواه في حال ولا رجعوا إلى غيره وثبتوا معه على منهاج الاستقامة وقال جعفر استقاموا مع الله بحركات القلوب مع مشاهدات التوحيد وقال بعضهم افردوا الله بالملك والربوبية والقدرة واستقاموا على هذه الشروط فلم يخالفوه.
قوله تعالى {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ} وصف الله أهل معرفته من الجن كيف حبست السنتهم هيبة الخطاب وحشمة المشاهدة وهكذا من البس أنوار الهيبة والعظمة يخرس لسانه عن الانبساط والمخاطبة وافشاء السر وهذا بعد شهود القلوب أنوار الغيوب بنعت اصفاء الأسرار إلى وقوع الخطاب وكشف النقاب قال محمد بن سليمان ليس في مقام الحضرة إلا الخمول والذبول والسكون تحت موارد الهيبة قال الله فلما حضروه قالوا انصتوا قال النصرابادى هيبة المشاهدة إذا طلعت السرائر بحقايقها اخرست الالسن عن المنطق في ذلك المشهد كالجن لما حضروا النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يقرأ عليهم اوصى بعضهم بعضا بالانصات فلما حضروه قالوا انصتوا وقال الواسطى شاهدوا عز الربوبية ظاهراً في أوصاف البشرية اخرسهم المشهد لشدة الهيبة.