قوله تعالى:"أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ" [الزخرف: 51، 52] ، فإنهم إذا قالوا له: أنت خير، كانوا عنده بصراء، فكأنه قال: أفلا تُبصِرُون أم أنتم بصراء؟ [52] .
"أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ"
قال البغوي في قوله:"أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ"، بمعنى"بل"وليس بحرف عطف، على قول أكثر المفسرين.
وقال الفراء وقوم من أهل المعاني: الوقف على قوله"أم"، وحينئذٍ تم الكلام، وفي الآية إضمار، والأصل: أفلا تنصرون أم تبصرون؟ ثم ابتدأ فقال:"أَنَا خَيْرٌ" [53] .
قلت: فعلى الأول تكون منقطعة، وعلى الثاني متصلة.
وفيها قول ثالث، قال أبو زيد [54] : إنها زائدة، وإن التقدير: أفلا تبصرون أنا خير منه!
والمشهور أنها منقطعة؛ لأنه لا يسألهم عن استواء علمه في الأول والثاني؛ لأنه إنما أدركه الشك في تبصرهم بعد ما مضى كلامه على التقرير، وهو مثبت وجواب السؤال"بلى"، فلما أدركه الشك في تبصرهم، قال:"أَمْ أَنَا خَيْرٌ".
وسأل ابن طاهر [55] شيخَه أبا القاسم بن الرَّماك [56] : لِمَ لم يجعل سيبويه"أم"متصلة! أي"أفلا تبصرون أم تبصرون"؟ أي أيّ هذين كان منكم؟ فلم يُحر جوابًا، وغضب وبقى جمعة لا يقرّر حتى استعطفه.
والجواب من وجهين:
أحدهما أنه ظن أنهم لا يبصرون، فاستفهم عن ذلك، ثم ظن أنهم يبصرون، لأنه معنى وقوله:"أَمْ أَنَا خَيْرٌ"، فأضرب عن الأول واستفهم، كذلك أزيد عندك أم لا؟
والثاني: أنه لو كان الإبصار وعدمه مُتَعَادِلَين لم يكن للبدء بالنفي معنى، فلا يصح إلا أن تكون منقطعة، وقد تحتمل المتصلة والمنقطعة، كما قال في قوله تعالى:"أَمْ تُرِيدُون"َ [57] .
قال الواحدي: إن شئت جعلت قبله استفهاما رُدّ عليه، وهو قوله:"أَلَمْ تَعْلَمْ" [58] ، وإن شئت منقطعة عَمّا قبلها مستأنفًا بها الاستفهام، فيكون استفهامًا متوسطًا في اللفظ، مبتدًا في المعنى، كقوله تعالى:"أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ" [59] ، ثم قال:"أَمْ أَنَا خَيْرٌ". أ. هـ