لمّا جرى الكلام من أول السورة في مهيع إبطال الشرك وإثبات الوحدانية للإله ، وتوضيح الاختلاف بين حال المشركين وحال الموحّدين المؤمنين بما ينبئ بتفضيل حال المؤمنين ، وفي مهيع إقامة الحجة على بطلان الشرك وعلى أحقيّة الإِيمان ، وإرشاد المشركين إلى التبصر في هذا القرآن ، وتخلل في ذلك ما يقتضي أنهم غير مقلعين عن باطلهم ، وختم بتسجيل جهلهم وعدم علمهم ، خُتم هذا الغرض بإحالتهم على حكم الله بينهم وبين المؤمنين يوم القيامة حين لا يستطيعون إنكاراً ، وحين يلتفتون فلا يَرون إلا ناراً.
وقدم لذلك تذكيرهم بأن الناس كلهم صائرون إلى الموت فإن الموت آخر ما يذكر به السادر في غلوائه إذا كان قد اغتر بعظمة الحياة ولم يتفكر في اختيار طريق السلامة والنجاة ، وهذا من انتهاز القرآن فرص الإِرشاد والموعظة.
فالمقصود هو قوله: {إنَّكم يوم القيامةِ عندَ ربِّكُم تختصِمون} فاغتُنم هذا الغرض ليجتلب معه موعظة بما يتقدمه من الحوادث عسى أن يكون لهم بها مُعتبر ، فحصلت بهذا فوائد: منها تمهيد ذكر يوم القيامة ، ومنها التذكير بزوال هذه الحياة ، فهذان عامَّانِ للمشركين والمؤمنين ، ومنها حثّ المؤمنين على المبادرة للعمل الصالح ، ومنها إشعارهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يموت كما مات النبيئون من قبله ليغتنموا الانتفاع به في حياته ويحرصوا على ملازمة مجلسه ، ومنها أن لا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره ، ومنها تعليم المسلمين أن الله سوّى في الموت بين الخلق دون رعي لتفاضلهم في الحياة لتكثر السَّلْوة وتقل الحسرة.
فجملتا {إنَّكَ مَيّتٌ وإنَّهُم مَّيتُونَ} استئناف ، وعُطف عليهما {ثم إنَّكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} بحرف {ثمّ} الدال على الترتيب الرتبي لأن الإِنباء بالفصْل بينهم يوم القيامة أهم في هذا المقام من الإِنباء بأنهم صائرون إلى الموت.