فبتّ أكابد ليل التمام... والقلب من خشية مقشعر
وقيل: المعنى: أن القرآن لما كان في غاية الجزالة ، والبلاغة ، فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته اقشعرّت الجلود منه إعظاماً له ، وتعجباً من حسنه ، وبلاغته ثم تلين جلودهم ، وقلوبهم {إلى ذِكْرِ الله} عدّى تلين بإلى لتضمينه فعلاً يتعدّى بها ، كأنه قيل: سكنت ، واطمأنت إلى ذكر الله لينة غير منقبضة ، ومفعول ذكر الله محذوف ، والتقدير: إلى ذكر الله رحمته ، وثوابه ، وجنته ، وحذف للعلم به.
قال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم بأنها تقشعرّ جلودهم ، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم ، والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو: من الشيطان ، والإشارة بقوله: {ذلك} إلى الكتاب الموصوف بتلك الصفات ، وهو: مبتدأ ، و {هُدَى الله} خبره ، أي: ذلك الكتاب هدى الله {يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء} أن يهديه من عباده.
وقيل: إن الإشارة بقوله: {ذلك} إلى ما وهبه الله لهؤلاء من خشية عذابه ، ورجاء ثوابه {وَمَن يُضْلِلِ الله} أي: يجعل قلبه قاسياً مظلماً غير قابل للحقّ {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه إلى الحق ، ويخلصه من الضلال.
قرأ الجمهور: {من هاد} بغير ياء.
وقرأ ابن كثير ، وابن محيصن بالياء.
ثم لما حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا ، وهو: الضلال ، حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر ، وهو: العذاب ، فقال: {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة} والاستفهام للإنكار ، وقد تقدّم الكلام فيه ، وفي هذه الفاء الداخلة على من في قوله: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب} [الزمر: 19] ، ومن مبتدأ ، وخبرها محذوف لدلالة المقام عليه ، والمعنى: أفمن شأنه أن يقي نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه سوء العذاب يوم القيامة لكون يده قد صارت مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه شيء من ذلك ، ولا يحتاج إلى الاتقاء.