أنشدني عبد الله بن محمد بن يوسف رحمه الله لنفسه:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجلٍ ممَّا به أنت عارف
يخاف ذنوباً لم يغب عنك غيبها ... ويرجوك فيها فهو راجٍ وخائف
فمن ذا الّذي يرجو سواك ويتَّقي ... ومالك من فصل القضاء مخالف
فيا سيّدي لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصَّحائف
وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يصدُّ ذوو ودِّي ويجفو المؤالف
لئن ضاق عنِّي عفوك الواسع الَّذي ... أرجِّي لإسرافي فإنِّي لتالف
وقال أبو العتاهية:
إذا ما اتَّقى الله أمرؤٌ لأن جانبه ... وقارب بالإحسان من لا يقاربه
يقول الفتى أرجو وأرجو وما له ... نزوعٌ عن الذَّنب الذي هو راكبه
ألا ليس يرجو الله من لاّ يخافه ... وليس يخاف الله من لا يراقبه
من النَّاس من يبصر الدَّهر جهله ... ويزداد فيه الضِّعف حتّى يعاتبه
كفي بصروف الدهر علماً وحكمة ... لمن لم يخنه علمه وتجاربه
ومن لم يثق بالله لم يصف عيشه ... ومن ضاق عنه الحقّ ضاقت مذاهبه
كان أبو سعيد السيره في كثيراً ما ينشد في مجلسه:
اسكن إلى سكنٍ تسرُّ به ... ذهب الزَّمان وأنت منفرد
ترجو غداً وغدٌ كحاملةٍ ... في الحيِّ لا يدرون ما تلد
قرأت على سعيد بن نصر، أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال حدثنا عبد الله ابن روَّاح المدائنيّ، قال يزيد بن هارون، قال: حدثنا أبو موسى التميمي، قال: توفيت النَّوار امرأة الفرزدق فخرج في جنازتها وجوه أهل البصرة وخرج فيها الحسن، فقال للفرزدق: ما أعددت لهذا اليوم يا أبا فراس؟ قال: شهادة ألاَّ إله إلا الله منذ ثمانين سنة، فلما دفنت قام الفرزدق على قبرها فقال:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشدّ من القبر التهاباً وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائدٌ ... عنيفٌ وسوَّاقٌ يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا
قال: فبكى وأبكى. انتهى انتهى {بهجة المجالس وأنس المجالس، لابن عبد البر} ...