وليس كذلك امتصاص النبات للعناصر اللازمة له من التربة، النبات لا يمتص إلا المواد اللازمة والمناسبة لطبيعته، فالخاصية الشعرية في الجذور تمتصّ على هدى، فتأخذ من التربة وتدَع، فالتربة واحدة، والماء واحد، ومع ذلك تختلف الطعوم والأشكال والألوان والرائحة.
إذن: ليس هو الانتخاب الذي يعنيه العلماء، إنما هو انتخاب إلهي يقوم على الطبيعة التي أودعها الله في الحبة والبذرة الأولى للنبات، فأنت تزرع مثلاً الفلفل الحاء بجوار قصب السكر بجوار الرمان، فتجد هذا حاراً، وهذا حلواً، وهذا مُزاً.
ثم ينتقل النبات إلى مرحلة أخرى، يصفها الحق سبحانه بقوله: {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} [الزمر: 21] معنى يهيج يعني: يجف ويتحطم، ويصير فتاتاً. يعني: لا يستمر على خضرته ونضارته، وكأن الحق سبحانه جعل النبات عبرةً للإنسان، فالنبات كائنٌ حَيّ كالإنسان، وسيمر الإنسان بهذه المرحلة فيجفّ ويتفتت كالنبات.
فالله سبحانه يضرب لنا مثلاً، حتى لا نغترّ بذواتنا حين نجد لها قوة أو نجد لها عقلاً وتفكيراً أو سُلْطة وجاهاً أو مالاً، يقول لك ربك: انظر إلى أمك الأرض، وإلى الزرع يخرج منها، إلامَ يصير؟ فأنت كذلك، فلا تغترّ ما دُمْتَ من أهل الأغيار.
لذلك يقولون: لا تغضب ولا تحزن إنْ تغيرتْ بك الأمور، لأنك من أهل الأغيار، وما دُمْتَ من أهل الأغيار ووصلتَ إلى قمة الجبل، فماذا تنتظر؟ تنتظر أنْ تستقرّ عليه؟ كيف وأنت من أهل الأغيار؟ إذن: لا بدَّ أنْ تنزل؛ لذلك إن تمتْ النعمة ترقَّبْ زوالها، كما قال الشاعر:
إذَا تَمَّ شيء بدا نقْصُهُ ... ترقَّبْ زَوَالاً إذَا قِيلَ تَمّ
فإنْ رأيت نفسك (مزهزهة) بالعلم أو بالقوة أو بأيِّ مظهر من مظاهر النعيم، فاعلم أنك غداً ستصير إلى كبر وإلى ضعف، ستصير مثل الطفل يحبو وتحتاج إلى مَنْ يسندك ويعاونك، كما قال سبحانه:
{وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} [الحج: 5] فافهم هذا المعنى جيداً في أمك الأرض وفي ذاتك.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ ..} [الزمر: 21] أي: ما تشهده أنت من هذا الذي ذكرنا {لَذِكْرَى ..} [الزمر: 21] يعني: تذكرةً وعبرةً {لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [الزمر: 21] لأصحاب العقول الواعية والمتدبرة.