والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.
وعند الفتن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام اعتزلهم.
لكن ينبغي أن ينوي بعزلته كف شره عن الناس، ثم طلب السلامة من شر الأشرار، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين، ثم تجريد الهمة لعبادة الله أبداً، ثم ليكن في خلوته مواظباً على العلم والعمل، والذكر والفكر، والاستغناء عن الناس، وعدم الإصغاء إلى أراجيف البلد، والقناعة باليسير من المعيشة، وتذكر الموت.
والعزلة والخلطة تختلف بحسب الأحوال والأشخاص، لكن في الأصل الخلطة أفضل.
ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله عزَّ وجلَّ ..
مستغرق اللسان بذكره .. مستغرق الأعضاء والجوارح بعبودية الله.
فإذا كان كذلك أحبه الله ثم أنزل له القبول والمحبة في الأرض، فصارت الألسنة جارية بمدحه، والقلوب مجبولة على حبه كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) } [مريم: 96] .
وكما أن النفس تحب تكميل الشهوات، فكذلك الله عزَّ وجلَّ يحب تكميل الأوامر التي هي الدين، وهي:
الإيمان .. والعبادات .. والمعاملات .. والمعاشرات .. والأخلاق.
فالإيمان: أساس كل شيء.
والعبادات: تنظم علاقة العبد مع ربه سبحانه، وتقوي إيمانه، ليكون ذاكراً لربه حامداً له.
والمعاملات والمعاشرات والأخلاق تنظم علاقة العبد مع العباد، ليكون الجميع كالجسد الواحد.
وعلى من يطلب الاستقامة أن يحفظ نفسه من أربعة أشياء:
اللحظات .. والخطرات .. واللفظات .. والخطوات.
ومن حفظ نفسه من هذه الأربعة فقد أحرز دينه، وحفظ استعمالها كما أمر الله سبحانه.
وإذا أهملها العبد وغفل عنها دخل منها العدو فجاس خلال الديار وأهلك الحرث والنسل، وأفسد الظاهر والباطن.
وكلما كان إيمان العبد أقوى، وعبادته أحسن، كانت معاملاته ومعاشراته وأخلاقه أفضل وأحسن.
وبمقدار ما يكون العبد محبوباً عند الله، يكون محبوباً عند أهل السماء وعند أهل الأرض.