وهؤلاء أبسط نفوساً، وأشرح صدوراً من أهل القسم الأول، وجانب الرجاء ومطالعة المنة والرحمة أغلب عليهم، وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعاً، ولكن خوف هؤلاء اندرج في رجائهم فأنابوا بالعبادات، ورجاء الأولين اندرج تحت خوفهم فكانت إنابتهم بترك المخالفات.
ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار إلى الله، وسؤال الحاجات كلها منه، ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنة، والغنى والكرم والقدرة.
فأنزلوا به حوائجهم، وعلقوا به آمالهم، فإنابتهم إليه من هذه الجهة، مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة إنما هي من هذه الجهة.
وأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه؛ لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم.
وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منها شيء عن الإنابة، فإن الأعضاء كلها رعيتها وملكها تبع للروح.
فلما أنابت الروح بذاتها إليه إنابة محق صادق المحبة، ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه، أنابت جميع القوى والجوارح، فأناب القلب بالمحبة والتضرع .. والذل والانكسار.
وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه، وتسليمه لها، وتحكيمه إياها دون غيرها، فلم يبق فيه شبهة.
وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسية، والأخلاق الذميمة،
والإرادات الفاسدة، وانقادت لأوامره، خاضعة له، وفوضت أمرها إلى مولاها، راضية بقضائه، مسلِّمة لحكمه.
وأناب الجسد بالقيام بالأعمال فرضها وسننها على أكمل الوجوه.
وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة، فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عذبة في مباديها، فإنها عذاب في عواقبها.
فإنابة العبد -ولو ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة- أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره.