عليها بحر الدنيا في مسافة العمر أولى وأحرى؛ إذ تأويل الطوفان: الموت، وتأويل
مدته: مدة البرزخ، وتأويل الفلك المحمول فيه: الجسم ومحموله، وتأويل عبورهم
بالفلك من موضع ركوبهم إياه إلى موضع نزولهم عنه في الأرض: كعبور المثالات
بالثروات من الدنيا إلى الآخرة.
ولما عدموا الفلك - أعني: سفينتهم تلك - خلق لهم سفنًا من مثلها ما
يركبون، إذ هو سيرهم في بحار الدنيا، وخلق لهم الأنعام حمولة فيِ تسياره إياهم
في البر، وكذلك خلق لهم من مثل هذه الأجسام ما يحملهم عليها مدة البرزخ حال
عدم الأجسام يعبرون بها بحر الموت مدة البرزخ.
قال الله جل من قائل: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ(11)
خاطبنا بذلك (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) أي: على ما تقدم ذكره، وعلى أنه أنعم علينا، فلم
يكن ممن أغرقه وأهلكه لعصيان الرسل والكفر به، نعوذ بالله من مواقع سخطه.
ثم كل: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) فعجب لذلك إن هذا لهو العجب
المعجب، إشارة إلى هذا الغيب المغيب وتنبيهًا عليه.
اعلم - وفقنا الله وَإياك - أن الله - جلَّ جلالُه - لم يزل ولا يزال يرى الكائنات ويسمعها كما
هو يعلمها لم يزدد بعد إيجاده إياها علمًا بها، خلا أنها كائنة اليوم ظاهرة لأنفسها ولم تكن قبل ظاهرة لأنفسها، والحوالات تحول على المحدث المرئي المعلوم.
يقول الله - جل من قائل: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
مَذْكُورًا (1) . وقد وصفه على ذلك بأنه قد أتى عليه فبأن يوجدنا حال
الموت أولى وأحرى، كما أوجدنا حال العدم وكنا على ذلك نستحق الوصف بأنا
محمولون، وقد أخبر بذلك الحق المبين فهو الحق لا مرية فيه (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ
وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) . وقد تقدم في سورة"النحل"من الكلام في مثل
هذا وكذلك في سورة"المؤمنين"وفي سائر المواضع من هذا الكتاب ما يغني عن
الإسهاب.
قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(45)