وجوابُهما أن المفهوم من قوله (إِذَا أَرَادَ) من حيث اللغة، إذا تعلقت إرادته بالشيء؛ لأن أداة الشرط إذا دخلت على الماضي صيَّرتْه مستقبلا، ونحن نقول: مفهوم قولنا"أراد ويريد وعلم ويعلم"، يجوز أن يدْخُلَه الحدوث، وأن للَّه صفة قديمة هي الإرادة، فتلك الصفة إذا تعلقت بشيء نقول"أراد ويريد"، وقبل التعلق لا نقول"أراد"، وإنما نقول: له إرادة وهو بها مريد. فالإرادة أمر ثابت، إن تعلقت بوجود شيء قيل: أراد وجوده أو يريد وجوده؛ وهذا معنى قول أهل السنة: تعلق الإرادة حادث.
وقال المعتزلة والكرامية: كلام اللَّه تعالى حروف وأصوات، وهو حادث؛ أما أنه حادث، فلما مرَّ من الوجهين: أحدهما أنه زماني؛ والثاني أنه متصل بكون حادث.
والجواب أن الكلام ينطلق على معنيين: أحدهما ما عند المتكلم، والثاني ما عند السامع؛ ثم إن أحدهما ينطلق عليه أنه هو الآخر، فالكلام الذي عند اللَّه هو صفة له ليس بحرف، والذي عند السامع حرف وصوت، وأحدُهما الآخرُ، وبيانه أن من قال لغيره؛ عندي كلام أقوله لك غدا. ثم إن السامع أتاه غدا وسأله عن الكلام الذي كان عنده أمس، فيقول له: أريد أن تحضر عندي اليوم؛ فهذا الكلام أطلق عليه المتكلم أنه كان عنده أمس، ولم يكن عند السامع بحرف وصوت، ويطلق عليه أن هذا الذي سمعت هو الذي كان عندي، والصوت لم يكن عند المتكلم أمس، ولا الحرف؛ لأن الكلام الذي عنده جاز أن يذكره باللسان العربي أو غيره من اللغات، وحروف اللغات مختلفة، والكلام الذي عنده وَوَعَدَهُ به واحد. فقوله: هذا ما كان عندي أمس من الكلام؛ أي: هذا يؤدي إليك ما كان عندي. وهذا أيضا مجاز؛ لأن الذي عنده ما انتقل إليه، وإلا علم ذلك وحصل عنده به علم مستفاد من السمع أو البصر في القراءة والكتابة أو الإشارة.
الزمخشري:"كُنْ"كناية عن سرعة التكوين، وليس ثَمَّ قولٌ"."
قال شيخنا ابن عرفة:"كلامه هذا يحتمل كونُه على أصْلِ مَن نَفَى صفةَ الكلام، ويحتمل أن يريد أن إيجاد الحادث لا يتوقف على صفة الكلام، إنما يتوقف على صفتي القدرة والعلم حسبما تقرر في علم الكلام".
83 - {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} :