الزيتون وسماها: مباركة، وعرض بما يكون من دهنها مثلاً بذكر النبوة، إذ عملها
دهن (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) أي: الإنباء والوحي،
وبالحق المخلوق به السماوات والأرض الذي يكاد يبهر الأبصار ويذهل البصائر
ولو لم تمسسه الأفكار بنيران الأذهان وهو يستخرج بعمل وتعب، كذلك لا يفهم
معاني ما جاءت به النبوة ولا يقتبس أنوار الحق في خلق السماوات والأرض إلا
بترداد الفكر واعتبار العبر واستعمال الذهن والتذكر.
وقال في موضع آخر: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ
شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ
الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) . أي: من استعمل ذهنه
وصدق الله - جل ذكره - في اعتباره يجد كل شيء حي ونبات وحيوان وأناسي
باطنًا في الماء، ثم في النبات، ثم في الحيوان، ثم في الأنعام الأناسي وغيرهم، ثم
في الزيتون دهنًا باطنًا، وللأعناب والنخيل وغيرهما سكرًا ورزقًا حسنًا صفات باطنة
في ظواهر ليست هي بوجه ما ولا هي بغيرها بوجه ما، كذلك الحياة في الموت
باطنة كما الموت في الحياة باطن، ودلائل القرآن كثيرة على هذا معهوده.
(فصل)
من استنصح القرآن نصحه، ومن استرشد الحكمة في العالم أرشدته، ومن
استشهد الشواهد أعلمته، وفصل الخطاب في هذا المطلوب إن شاء الله والله
الموفق، وعليه قد مضى فيما تقدم أن جملة الدنيا نبذة من جملة الآخرة، وقد
خلق الله الدار الآخرة مصورة على صورة أوجد الدنيا على شبهها، فالدار الآخرة بما
فيها زوجان والحق المبين فردهما وشفعان، والله الوتر.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) هذا زوج ومغفرة من الله(وَمَغْفِرَةٌ
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ)هذا زوج، وقال: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ)
هؤلاء وهؤلاء (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ(25) .