وكَثِيرا ما أخرج اللَّه - جلَّ جلالُه - أنواعًا من بديع الصنع ومحكم الفعل على أيدي بني آدم، وقد يمكن أن تكون"ما"هَاهُنَا حرفًا فتكون نافية، دلَّ على ذلك قوله:(أَفَلَا
يَشْكُرُونَ)وغلب الوجه الأول (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ
وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ).
وقد يكون منهم الغراس وتفجير العيون وإجراء الأنهار، وليس إليهم ما وراء
ذلك، فلهذين الوجهين عدد ما عملوه في الآيات وفي النعم وطالبهم بالشكر،
ويكون ذلك أيضًا من فعلنا ما ليس لنا إتمامه أنه على فعل الملائكة، وبملكهم
الملكوت وتحسين تماسكه وليس لهم إتمامه وتصويره، بل الله (هُوَ الْأَوَّلُ) فيه
(وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) .
قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ
وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) قالوا: الأزواج المتصلات من النبات والأحجار
والحيوان، ومن القوى والصفات والألوان والصور والهيئات، وفي الأحوال
والأعمال يدل على صحة ما وجهوا إليه قوله - جلَّ جلالُه -: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ
مُبِينٌ (50) . أي: فروا من معصيته إلى طاعته، ومن بعده إلى القرب منه،
ومن أنفسكم إليه، وفروا منه إليه، جل ذكره وتعالى علاؤه وجده(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى
فِي السَّمَاوَاتِ والأرضِ).
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) بل الأصل في تسميتها أزواجًا كونها عن الفتح والفيح، ثم تنوع ذلك ويتسع.
ومن ذلك أيضًا: ما ازدوج أو كان من شأنه ذلك فيسكن بعضه إلى بعض.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) فخلق الله تعالى آدم - عليه السَّلام - وخلق له زوجه منه حواء كذلك ما
سوى ذلك من الأجناس، وجعل في أحجار المعادن ونبات الأرض والحيوان ما
يسكن بعضه إلى بعض، ويسرع من بين الأجناس إلى جنسه، وينفر عن غيره النفار