وقوله:"كما نفذ في قولك: ألم يَرَوْا إنَّ زيداً لمنطلقٌ"يعني أنه لو كان معمولاً من حيث اللفظُ لامتنع دخولُ اللامِ ولَفُتِحَتْ"إنَّ"فإنَّ"إنَّ"التي في خبرها اللامُ من الأدوات المعلِّقة لأفعال القلوبِ . وقوله:"إنهم إليهم"إلى آخره كلامُه لا يَصِحُّ أن يكون بدلاً لا على اللفظِ ولا على المعنى . أمَّا على اللفظِ فإنه زعم أنَّ"يَرَوْا"معلَّقَةٌ فتكون"كم"استفهاميةً فهي معمولةٌ ل"أهلكنا"، و"أهلكنا"لا يَتَسَلَّط على {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} . وقد تقدَّم لنا ذلك . وأمَّا على المعنى فلا يَصِحُّ أيضاً لأنه قال: تقديره: أي على المعنى ألم يَرَوْا كثرةَ إهلاكنا القرونَ مِنْ قَبْلهم كونَهم غيرَ راجعين إليهم ، فكونُهم غيرَ راجعين ليس كثرةَ الإِهلاكِ ، فلا يكون بدلَ بعضٍ من كل ، ولا يكون بدل اشتمالٍ ؛ لأنَّ بدلَ الاشتمال يَصِحُّ أن يضافَ إلى ما أُبْدِل منه ، وكذلك بدلُ بعضٍ من كل . وهذا لا يَصِحُّ هنا . لا تقول: ألم يَرَوْا انتفاءَ رجوعِ كثرةِ إهلاكِنا القرونَ مِنْ قبلهم ، وفي بدلِ الاشتمال نحو:"أعْجَبَتْني الجاريةُ مَلاحتُها ، وسُرِقَ زيدٌ ثوبُه"يصحُّ:"أعجبتني ملاحَةُ الجاريةِ ، وسُرِق ثوبُ زيد".
الرابع: أَنْ يكونَ"أنهم"بدلاً مِنْ موضع"كم أهلَكْنا"، والتقدير: ألم يَرَوْا أنهم إليهم . قاله أبو البقاء . ورَدَّه الشيخ: بأنَّ"كم أهلَكْنا"، ليس بمعمولٍ ل"يَرَوْا".
قلت: قد تقدَّم أنها معمولةٌ لها على معنى أنها مُعَلِّقَةٌ لها .
الخامس: - وهو قولُ الفراء - أن يكون"يَرَوْا"عاملاً في الجملتين من غير إبدالٍ ، ولم يُبَيِّنْ كيفيةَ العملِ . وقوله"الجملتين"تجوُّزٌ ؛ لأنَّ"أنهم"ليس بجملةٍ لتأويلِه بالمفرد إلاَّ أنه مشتملٌ على مُسْندٍ ومسند إليه .