وفيه دلالة البعث لما ذكرنا من ذهاب أحدهما وإقرار الآخر بعد ذهاب آثار كل واحد منهما بكليته، ودل إجراؤهما مجرى واحدًا من أول إلى آخر ما ينتهي ذلك وينتهي العالم على تقدير منافعهم وحوائجهم أنه عالم بذاته مدبر بنفسه، وأن له علما ذاتيا وتدبيرًا أزليًّا لا مكتسبًا مستفادًا، وعلى ذلك ما ذكر من جريان الشمس والقمر، وتسخيرهما بمنافع هذا العالم وحوائجهم، وقطعهما في يوم ولينة واحدة مسيرة خمسمائة عام؛ فدل ذلك كله على أنه واحد لا شريك له قادر لا يعجزه شيء، وعالم مدبر لا يخفى عليه شيء، وعلى ذلك ما ذكر في قوله: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) ، دلالة الوحدانية والقدرة والعلم والتدبير؛ من حيث جعل أطراف الأرض كلها على تباعد ما بينها متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب أنشأها لهم وأعلمهم بها؛ ليصلوا إلى تلك المنافع والحوارج؛ فدل أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك تمانع على ما ذكرنا، وأنه عارم بذاته مدبر؛ ولذلك قال: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) . أي: ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يعجزه شيء، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء! وباللَّه القوة.
ثم قوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ...(38)
وفي بعض الحروت: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) فعلى هذا القول أي: تجري أبدًا لا مستقر لها ولا قرار.
ومن قرأ: (تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) : أي: لنهاية لها وغاية.
ثم اختلف في تلك النهاية: فمنهم من يقول: نهايتها وغايتها هو ذهاب هذا العالم وانقضاؤه وتبديل عالم آخر؛ كقوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) ، وقوله: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) ، قدر نهايتها، ومنهم من يقول: مستقرها: هو نزولها في كل يوم في منزل، لما ذكر أن لها منزلا، تنزل كل يوم في منزل، ثم تطلع من مكان آخر؛ وكذلك قال: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) .