والقول الثاني: أنها موانع حسِّيَّة مَنَعَتْ كما يَمنع الغُلُّ ؛ قال مقاتل بن سليمان: حلف أبو جهل لئن رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصليِّ لَيَدْمَغَنَّهُ ، فجاءه وهو يصليِّ ، فرفع حجراً فيَبِسَتْ يدُه والتصق الحجر بيده ، فرجَع إلى أصحابه فأخبرهم الخبر ، فقام رجل منهم فأخذ الحجر ، فلمَّا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم طَمَسَ اللهُ على بصره فلم يره ، فرجَع إلى أصحابه فلم يُبْصِرهم حتى نادَوْه ، فنزل في أبي جهل: {إِنّا جَعَلْنا في أعناقهم أغلالاً ...} الآية.
ونزل في الآخر: {وجَعَلْنا مِنْ بين أيديهم سَدّاً} .
والقول الثالث: أنه على حقيقته ، إلاَّ أنَّه وَصْفٌ لِمَا سيُنْزِلُه اللهُ تعالى بهم في النار ، حكاه الماوردي.
قوله تعالى: {فهي إلى الأذقان} قال الفراء:"فهي"كناية عن الأيمان ، ولم تُذْكَر ، لأن الغُلَّ لا يكون إلاَّ في اليمين والعنق جامعاً لهما ، فاكتُفيَ بذكر أحدهما عن صاحبه.
وقال الزجّاج:"هي"كناية عن الأيدي ، ولم يذكرها إيجازاً ، لأن الغُلَّ يتضمن اليد والعنق ، وأنشد:
وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضاً ...
أُريدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِيني
وإنما قال: أَيُّهما ، لأنه قد علم أن الخير والشرَّ معرَّضان للإنسان.
قال الفراء: والذَّقْن: أسفل اللَّحْيَيْن ، والمُقْمَحُ: الغاضّ بصره بعد رفع رأسه ، قال أبو عبيده: كل رافعٍ رأسَه فهو مُقَامِح وقَامِح ، والجمع قِماح ، فإن فُعل ذلك بإنسان فهو مُقْمَح ، ومنه هذه الآية.
وقال ابن قتيبة: يقال بعيرٌ قامِحٌ وإبلٌ قِماحٌ: إذا رَوِيَتْ من الماء فقَمَحَتْ ، قال الشاعر وذكر سفينة:
ونحنُ على جَوانِبِها قُعُودٌ ...
نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإِبِلِ القِمَاحِ
وقال الأزهري: المُراد أنَّ أيديهم لمّا غُلَّت عند أعناقهم ، رَفَعَتْ الأغلالُ أذقانَهم ورؤوسَهم ، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إيَّاها.