لا يخفى فإنه وإن كان أبلغ من حيث إن المكان كان مشؤومًا بذكرهم فَكَيْفَ يكون
بحلولهم فيه فإنه كان أشأم لكن القراءة بتشديد الكاف أبلغ من حيث إنه يفيد التوبيخ
على تطيرهم بمن هُوَ عن بركة ويمن.
قوله: (بل أنتم) بل للترقي في الذم وفي تقبيح شأنهم.
قوله: (قوم عادتكم الإسراف في العصيان) عادتكم الإسراف مُسْتَفَاد من حالهم حيث
أصروا عَلَى العصيان برهة من الزمان، وأما الْجُمْلَة الاسمية فلا تدل عَلَى العادة إلا بمعونة
المقام، وعن هذا قال الفاضل السعدي بقرينة المقام، وإنما عرف الرسل ذلك لإصرارهم عَلَى
الشرك الذي يعكفون عليه دائمًا، وذكر قوم للتوبيخ عَلَى أنكم رجال فاقدون مقتضى
الرجولية والتنكير للتحقير والإسراف في العصيان الإفراط فيه، وإنَّمَا عبر به لزيادة التهجين؛ إذ
الإسراف في الأمور المباحة شنيع وفي المحظور أشنع، ولم يقل في الكفر للتعميم أو لأن
الإسراف لا يظهر في الكفر إلا كيفًا، والْمُرَاد الإسراف كمًّا وكيفًاً.
قوله: (فمن [ثَمَّ] جاءكم الشؤم) قيل فالإضراب عن قوله: (أئن ذكرتم) .
والْمَعْنَى ليس سبب الشؤم تذغيركم بل اسْتمْرَاركم عَلَى العمي من أو (طائركم معكم)
والْجُمْلَة الشرطية معترضة وهذا أي كون الإضراب عن قوله:(طائركم
معكم)أحسن لأن فيه تسليم الشؤم وسببه لكنه أضرب عَمَّا جعلوه سببًا للشؤم
إلى إثبات سبب في الْحَقيقَة.
قوله: (ولذلك توعدتم وتشاءمتم) أو في الضلال عطف عَلَى العصيان
ولذلك توعدتم الخ. فعلى هذا الإسراف في الضلال دون العصيان المترتب عَلَى الضلال
فالإضراب عن مجموع ما قبله وهو ذكر الشؤم وسببه إلَى ذكر غيهم وإصرارهم عَلَى
الضلال لا إلَى بيان سبب شؤم كما في الأول، وعن هذا قال في الثاني ولذا توعدتم وتشاءمتم
الخ. قدم الأول لأنه أمس بالمقام وأوفق لقوله: (طائركم معكم) وتقرير له إذ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: قوم عادتكم الإسراف في العصيان. هذا مبني عَلَى أن الإضراب من قوله:(قَالُوا
طائركم معكم)فعلى هذا يكون قوله: (أئن ذكرتم) مع جوابه
الْمَحْذُوف وهو تطيرتم اعترافًا واقعا بين الإضراب والذي أضرب عنه. وأَشَارَ إلَى اتصال الإعراب
بقوله (قَالُوا طائركم معكم) بقوله فمن ثم جاءكم الشؤم فإن معنى(طائركم
معكم)سبب شؤمكم الذي هُوَ العصيان معكم والإسراف بالعصيان ملائم له، وأما قوله
أو في الضلال فمبني عَلَى أن الإضراب من قوله: (أئن ذكرتم) مع جوابه الْمَحْذُوف
وهو توعدتم بالرجم والتعذيب، وجه اتصاله به أن التذكير لا يكون إلا للضال وإن توعدهم
وتخويفهم المذكر الهادي لهم إلَى الطريق بالرجم والتعذيب من غاية ضلالهم والإسراف في
الضلال الذي هُوَ مجاوزتهم الحد فيه مناسب له. وأَشَارَ إلَى اتصاله به بقوله ولذلك توعدتم
وتشاءمتم بمن يحب أن يكرم ويتبرك به ومعنى التعود في الإسراف مُسْتَفَاد من اسمية الْجُمْلَة ومن
كون الخبر عَلَى صورة اسم الْفَاعل الدالَّين بمعونة المقام عَلَى الاسْتمْرَار والثبات.