والمثل يقال كما جاء دون أن نغير في لفظه شيئاً، فلو أرسلت مثلاً رسولاً ليأتي لك بالأخبار تقول له حين يعود: (ما وراءك يا عصام) كذلك إن كانوا مثنى أو جمعاً، فالمثل يلزم صيغة المفرد المؤنث، لأنه أول ما قيل قيل لواحدة اسمها عصام. ونحن نحتفظ بلفظه لا نغيره، فلا نقول ما وراءكما ولا ما وراءكم. ويشترط في المثل أن يكون موجزاً يخف على اللسان.
ومن الأمثال قولهم (قد يضرط العير والمكواة في النار) فالبعير حين يرى المكواة في النار يعرف أنه سيكوى بها، وهي طريقة متبعة عند العرب مرض (العُر) ، فساعة يراها البعير تجرة عليه بطنه، ويحدث منه ضراط وإسهال، وهذا مثل يضرب لمن يفاجئه العقاب المعد له.
وهنا في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ (13) } [يس] يعني: يا محمد اضرب لمن كفر بك وكذبك وعاندك وآذاك مثلاً أصحاب القرية، فالأمر لسيدنا رسول الله، والضرب للكافرين به المعاندين له، والمعنى: قل لهم مثلكم مثل أصحاب القرية.
قالوا: هي أنطاكية بلدة من لواء الأسكندرونة التابع لتركيا، وقد أرسل إليها سيدنا عيسى - عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام - رسولين لهداية أهلها، فلما ذهبا كذبهما القوم، فعززهما عيسى عليه السلام وقواهما بثالث، فلم يزدادوا إلا تكذبياً وعناداً، لكن خرج من القوم رجل سمع من الرسولين الأولين، فآمن، فلما سمع أن القوم
يريدون تعذيب هؤلاء الرسل أسرع ليقف الموقف الحق مع الرسل ضد أهل القرية، هذا هو المثل.
ومعنى {إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) } [يس] أي: مرسلون من الله، فما إرسال عيسى لهما إلا من باطن إرسال الله {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ (14) } [يس] أي: قويناهما به، والمراد قوينا الحق الذي يحملانه، فإرسال الثالث ليس تأييداً لهما بذاتهما، إنما تأييد للحق، بدليل أنه سبحانه لم يقل فعززناهما، وهذه من دقة الأداء القرآني وبلاغته، فلو جاء الحق على لسان غيرهما سنؤيده أيضاً. إذن: الاعتبار هنا ليس للأشخاص، إنما للحق الذي جاءوا به.