فما دام نور الله قد ظهر، فلا نور لأحد مع نور الله، كذلك في المعنويات، وكأن الله تعالى يريد أن يقول لنا: إذا جاءكم حكم الله، فلا حكم لأحد مع حكم الله، وهذا هو نور القيم الذي جاءنا في القرآن الكريم، لذلك قال سبحانه: {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ (35) } [النور] [النور]
ولكل مثل مضرب يضرب فيه، ومناسبة يقال فيها، فلما رأى أحدهم شاعراً يطيل في مدح ممدوحه قال: لابد أنه بخيل، فاحتاج إلى كل هذا المدح ليحننه على مادحه فيعطيه، وقال في ذلك:
وَإِذَا امْرُؤ مَدَح امْرَءَا لِنَوَالِه... وَأَطَال فِيْه فَقَد أَطَال هِجَاءَه
لَو لَم يَقْدِر فِيْه بَعْد الْمُسْتَقَى... عِنْد الْوُرُود لِمَا أَطَال رِشَاءَه
لأن بعج الماء في البئر يستدعى طول الحبل، وهو الرشاء الذي يربط به الدلو.
ومن أمثال القرآن لتوضيح مسألة الشرك بالله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا (29) } [الزمر]
يعني: حين يتعجبون من دعوتهم إلى التوحيد، وحين يختلفون في هذه المسألة، اضرب لهم هذا المثل وطوقهم به، يعني: كيف تتعجبون من عبادة الله وحده لا شريك له، وفي حياتكم العملية مثل ذلك، فهل يستوى عندكم عبد يتنازعه أكثر من سيد وعبد لسيد واحد؟ {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا (29) } [الزمر]
كذلك أنتم في عبادتكم غير الله: كيف تذهبون إلى عبادة آلهة متعددة، وتتركون الإله الواحد الحق، إذن: يسوق الحق سبحانه للكفار هذا المثل ليجلى لهم قضية وقفت فيها عقولهم.
والمثل في أدبنا العربي له مورد ومضرب: مورد المثل هو الحادثة التي قيل فيها المثل، ومضرب المثل هي الحادثة المشابهة للمورد الأصلي، فكأن المورد الأصلي للمثل يؤدي إلى حقيقة متينة ينبغي أن نحافظ عليها ونكررها في الموقف المشابه، فمثلاً حين ترى تلميذاً يهمل دروسه طوال العام، ويأتي قبل الامتحان ليذاكر، لك في هذا الموقف أن تقول (قبل الرماء تملأ الكنائن) فهذا مثل يضرب لمن لا يستعد للأمر قبل وقوعه.
فإن تحداك رجل مثلاً وادعى أنه أقوى منك لك أن تقول له: (إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً)