وقد ورد عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني سلمة أرادوا أن يتحوّلوا من منازلهم في أقصى المدينة إلى قُرب المسجد وقالوا: البقاع خالية ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم"يا بني سَلِمة ديارَكم تُكتبْ آثاركم"مرتين رواه مسلم.
ويعني آثار أرجلهم في المشي إلى صلاة الجماعة.
وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد زاد: أنَّه قرأ عليهم: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فجعل الآثار عامّاً للحسية والمعنوية ، وهذا يلاقي الوجه الثاني في موقع جملة {إنا نحن نحيى الموتى} .
وهو جار على ما أسسناه في المقدمة التاسعة.
وتوهَّم راوي الحديث عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه ومكيتها تنافيه.
والإِحصاء: حقيقته العدّ والحساب وهو هنا كناية عن الإِحاطة والضبط وعدم تخلف شيء عن الذكر والتعيين لأن الإِحصاء والحساب يستلزم أن لا يفوت واحد من المحسوبات.
والإِمام: ما يُؤتم به في الاقتداء ويُعمَل على حسب ما يَدلّ عليه ، قال النابغة:
بنوا مجد الحياة على إمام
أطلق الإِمام على الكتاب لأن الكتاب يتّبع ما فيه من الأخبار والشروط ، قال الحارث بن حلزة:
حذر الجور والتطاخي وهل ين
قض ما في المهارق الأهواء...
والمراد بـ {كل شيء} بحسب الظاهر هو كل شيء من أعمال الناس كما دل عليه السياق ، فذكر {كل شيء} لإِفادة الإِحاطة والعموم لما قدموا وآثارهم من كبيرة وصَغيرة.
فكلمة {كلّ} نص على العموم من اسم الموصول ومن الجمع المعرّف بالإِضافة ، فتكون جملة {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} مؤكدة لجملة {ونكتب ما قدموا وآثارهم} ، ومبينة لمُجملها ، ويكون عطفها دون فصلها مراعىً فيه ما اشتملت عليه من زيادة الفائدة.
ويجوز أن يكون المراد بـ {كل شيء} كل ما يوجد من الذوات والأعمال ، ويكون الإحصَاء إحصاء علم ، أي تعلق العلم بالمعلومات عند حدوثها ، ويكون الإِمام المبين علم الله تعالى.