وجاء في روح المعاني:"ولعل الأوفق للمقام المتبادر إلى الأفهام نداء حسرة كل من يتأتى منه التحسر ففيه من المبالغة ما فيه".
(ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) : وهذا بيان سبب الحسرة والندم. قوله (من رسول) يفيد الاستغراق والمعنى أنه لم يسلم رسول من الاستهزاء. وقد تقول ولم قال ههنا (من رسول) وقال في الزخرف (من نبي) ؟ فنقول إن كل لفظة ناسبت الموطن الذي وردت فيه فقد قال في الزخرف (وكم أرسلنا من نبي في الأولين(6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون (7 ) ) فقوله (كم أرسلنا) يفيد التكثير فإن (كم) هذه خبرية وهي تفيد التكثير والأنبياء أكثر من الرسل فإن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً فناسب كلمة نبي كمّ الخبرية. جاء في ملاك التأويل:"لما تقدم في آية الزخرف لفظ (كم) الخبرية وهي للتكثير ناسب ذلك كله من يوحى إليه من نبي مرسل أو نبي غير مرسل فورد هنا ما يعم الصنفين عليهم السلام".
وتقديم (به) على الفعل للإهتمام إذ المفروض أن يستقبل العباد رسولهم بالطاعة والاستجابة والإكرام لأنه مرسل إليهم من ربهم ولكنهم استقبلوه بالاستهزاء والسخرية.
وذهب صاحب روح المعاني إلى أن هذا التقديم للحصر الإدعائي أو لمراعاة الفاصلة. قال و (به) متعلق بيستهزئون وقدّم عليه للحصر الإدعائي وجوّز أن يكون لمراعاة الفواصل"."
ومعلوم أن تقديم المعمول على عامله لا يقتصر على معنى الحصر. نعم إن إرادة الحصر فيه مثيرة ولكن قد يكون التقديم لغير ذلك من مواطن الاهتمام وذلك كقوله تعالى (وبالنجم هم يهتدون(16) النحل) فإن التقديم هنا لا يفيد الحصر إذ الاهتداء لا يقتصر على النجوم بل إن وسائل الاهتداء كثيرة قال تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون(15) النحل) فذكر من وسائل الاهتداء الجبال والأنهار والسبل". والأظهر فيما نرى أن التقديم ههنا إنما هو للعناية والاهتمام ويجوز أيضاً أن يكون لما ذكره صاحب روح المعاني والله أعلم."