لم يقل هذا فقط وإنما قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) ، يعني هو ليس فقط جعل السد وإنما أغشاهم فكيف يبصرون؟! زيادة في عدم الإهتداء. منع طريقة أن يجوزوا على الصراط بالأغلال في الأعناق وبالسد من بين أيديهم ومن خلفهم وأغشاهم فهم لا يبصرون.
لماذا ذكر السد من خلفهم؟ الآن سائر في طريق فانقطع عليه الطريق ماذا يفعل؟ يرجع إلى مكانه، لكن إذا جعل من خلفه سداً لا يستطيع العودة إذن هو في مقام الهلكة، لا يستطيع أن يذهب إلى الأمام ولا أن يرجع إلى مكانه إذن جعل السد من خلفهم حتى يمنعه من العودة إلى مكانه فهو قطع الطريق عليه من الأمام فأراد أن يرجع إلى مكانه لم يستطع لأن هناك سد من خلفه إذن هو بقي في مكانه حتى يهلك لأن هذا المكان هو مهلكة يبقى في مكانه إلى أن يهلك لم يرجع إلى مكانه ولم يتقدم.
* هل تكرار كلمة السد له دلالة معينة؟
طبعاً، السد الثاني غير السد الأول، هذا غير هذا، هذا نكرة فتكرارها له دلالة، مثل: رأيت رجلاً وأكرمت رجلاً يعني الرجل الثاني غير الأول وإلا قلنا رأيت رجلاً وأكرمت الرجل هو كما في قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا(15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (16) المزمل) هو نفسه لو قال فعصى فرعون رسولاً لكان غيره. إذن السد من خلفهم غير السد من بين أيديهم سد من الأمام وسد من الخلف السدان منفصلان تماماً والتنكير هنا له دلالة معينة. لو قال (السد) لدل على أنه نفسه.
* ما الفرق بين دلالة كلمة (خلفهم) و (بعدهم) ؟
بعد نقيضة قبل وأظهر استعمال لها في الزمان. أما خلف فهي نقيضة قُدّام (وهي في الغالب للمكان) هذا من حيث اللغة. والخلف في اللغة هوالظهر أيضاً.
أحياناً لا يصح وضع إحداهما مكان الأخرى فلا يمكننا أن نضع خلف مكان بعد ففي هذه الآيات لا يمكن أن تحلّ خلف محل بعد (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(52) البقرة) (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(120) البقرة) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ(230) البقرة) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(8) آل عمران) لأن كلها متعلقة بالزمان.