والدليل الثالث تربوى يأخذ من حقيقة البعث والجزاء ما يكبح الغرائز ويزيح الغفلة ، ويسوق النفوس إلى الحق بمشاعر الرغبة والرهبة. من المقدمة والأدلة الثلاثة تتكون سورة يس وما دعت إليه من توحيد الله ، والتأمل فِي ملكوته والاستعداد للقائه للخلود فِي جواره.. ويبدأ الدليل الأول بقوله تعالى:"واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون..". ولا يعنينا اسم القرية ، وإنما يعنينا ما وقع فيها من أحداث. إن أعداء المرسلين يحسبونهم جاءوا لاستلاب سلطانهم وأخذ ما بأيديهم ولذلك سرعان ما تبرموا بهم وتهددوهم وتشاءموا من"إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون". ومنذ نوح وأعداء الأنبياء يحسبونهم طلاب رياسة ، ويظنون دعوتهم شركا المآرب خاصة. ولذلك قالوا لهم ما قيل لنوح"ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين". لكن الله يخلق رجالا يعشقون الحقيقة ، ويضحون من أجلها ويعانون فِي سبيلها ، كما قال شوقى: إن الذي خلق الحقيقة علقما لم يخل من أهل الحقيقة جيلا وفى هذه القرية أقبل رجل من بعيد ينصح الناس مؤكدا أمرين. 1ـ أن الرسل ناس متجردون لا ينشدون جاها ولا مالا. 2ـ وأن الله الذي يدعون إليه هو الحق المبين ، وماعداه وهم لاوجود له ، يضر ولا ينفع."يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون". لكن هذا الناصح الأمين فشل فِي إقناع الضالين. ولم تذكر القصة أقتل أم مات ، لكنه بعدما انتقل إلى ربه ، ورأى ما أعد له من كرامة ، قال حزينا على حالهم"يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين".