خ:"لمّا ذَكَرَ دليلا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله (أَوَلَمْ يَرَوا انا خَلَقْنَا لَهُم مِّما عَملَتَ اَيْدِينَا أَنْعَاماً) ، ذَكَر دليلا من الأنفس، وهو أشمل وأكمل، وأَتَمُّ وألزم، إذْ لا يغيب أحد عن نفسِه."
وقولُه (مِن نُّطْفَةٍ) إشارة إلى وجه الدلالة، أي: خلق من نطفة متشابهة الأجزاء، وهو مختلف الصور، فدلّ على اختيار الفاعلِ وقدرتِه، كقوله تعالى (تُسْقى بمَاء واحدٍ) ؛ وتَمَّمَ هذا المعنى بقوله (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) ، أي: القوة الناطقة والقوة الفاهمة لا تقتضيهما النطفة، فأنواع النطق والفهم أعجب وأغرب من أنواع الخلق والجسم، فقوله (خَصِيمٌ مُبِينٌ) أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق؛ لأنه أعلى أحوال الناطق، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه كما يبينه وهو متكلم مع غيره، إذا لم يكن خصما لا يجتهد في البيان كما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه؛ فقوله (مُبِينٌ) إشارة إلى قوة عقله؛ لأن العاقلَ عند الإيهَام أعلى درجةً منه عند عدمه، فقوله من (نُطْفَة) إشارة إلى أدنى ما كان عليه؛ وقوله (خَصِيمٌ مُبِينٌ) إشارة إلى أعلى ما حصل عليه، كقوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلَاَلَة مِّن طِين) إلى قوله (ثُمَّ أَنشَاْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) صَيَّرْناهُ ناطقا عاقلا، كقوله هنا (مُبِينٌ) .
76 - {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} :
إشارة إلى شأن الحشر. واعلمْ أن منكريه منهم من لم ينكرْ بشبهة بل مجرد الاستبعاد، وادَّعى الضرورة وهم الأكثرون، قال تعالى حكايةً عنهم في كثير من الآيات (وَقَالُوا أَئذَا ضَلَلْنَا فِي الاَرْضِ ...) ، (أَئذَا متْنَا وَكُنَّا تُرَاباً. ..) ، (أئنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِين أَئذَا متْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ...) وكذا هنا (مَنْ يُّحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَميمٌ) على طريق الاستبعاد، فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله (وَنَسيَ خَلْقَهُ) ، إذ خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلا، فلا يستبعد إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه؛ وأما استبعادهم من جهة تفرق الأجزاء فرده بكون المعيد قادرا عالما.