بالجهر والهمس قد اتفقتا في الانفتاح والرخاوة والاستفال ، إشارة إلى أن
القلب لا يصلح - كما تقدم - مع الصلابة التي هي في معنى الجهر ، إلا
بالإِخبات ، الذي هو في معنى الهمس ، وبالنزول عن غاية الصلابة إلى حَدِّ
الرخاوة ، لئلا يكون حجرياً قاسياً ، وبأن يكون مستفلًا ، ليكون إلى ربه -
بتواضعه وبُعْدِه عن النفور والاستكبار - سائراً واصلاً وزادت الصفير الذي
فيه شدة وانتشار وقوة بضعفها عن الياء بالهمس فتعادلتا.
ودل صفيرها على النفخ في الصور ، الذي صرحت به هذه السورة.
ودل جهر الياء على قوته ، ودل كونها من حروف النداء على خروجه
عن الحد في شدته ، حتى تبدو عنه تلك الآثار ، المخلية للديار ، المفنية للصغار
والكبار ، ثم الباعثة لهم من جميع الأقطار إجابة لدعوة الواحد القهار.
وكان مخرجهما من اللسان ، الذي هو قلب المخارج الثلائة ، لتوسطه
وكثرة منافعه في ذلك ، وكانت الياء من وسطه ، والسين من طرفه ، وكان
هذان المخرجان - مع كونهما وسطا - مداراً لأكثر الحروف.
هذا مع ما لهما من الأسرار ، التي تدق عن تصور الأفكار.
قال تعالى: (يس) .
وإن أريد يا إنسان فهو قلب الموجودات كلها ، وخالصها ، وسرها.
ولبابها.
وإن أريد: يا سيد ، فهو خلاصة من سادهم.
وإن أريد: يا رجل فهو خلاصة البشر.
وإن أريد: يا محمد ، فهو خلاصة الرجال ، الذين هم لباب البشر.
الذين هم سر الأحياء الذين هم عين الموجودات ، فهو خلاصة الخلاصة.
وخيار الخيار ، وإنسان العين ، وعين القلب.
وكأن من قال معناه: يا محمد ، نظر إلى الاتحاد في عدد حروف
اسمه - صلى الله عليه وسلم - ، بالنظر إلى المِيمَيْن في المشددة ، وعدد اسمى الحرفين.
ولا يخفى أن الهمزة في اسم الياء ألف ثانية ، فمبلغ عددها اثنا عشر.