{مِنْ دَابَّةٍ} ؛ أي: من نسمة تدب عليها كائنة ما كانت، سواء كانت من بني آدم؛ لأنهم المكلفون المجازون، ويعضده ما بعد الآية، أو من غيرهم أيضًا، فإن شؤم معاصي المكلفين يلحق الدواب في الصحارى، والطيور في الهواء بالقحط ونحوه، ولذا يقال من أذنب ذنبًا، فجميع الخلق - من الإنس والدواب والوحوش والطيور والذر - خصماؤه يوم القيامة، وقد أهلك الله في زمان نوح عليه السلام جميع الحيوانات إلا ما كان منها في السفينة، وذلك بشؤم المشركين وسببهم، وقال بعض الأئمة: ليس معناه أن البهيمة تؤخذ بذنب ابن آدم، ولكنها خلقت لابن آدم، فلا معنى لإبقائها بعد إفناء من خلقت له.
والمعنى: أي ولو يعاقب الله الناس ويكافئهم بما عملوا من الذنوب واجترحوا من الآثام .. ما ترك على ظهر الأرض نسمة تدب؛ لشؤم المعاصي التي يفتنون فيها: {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ} ؛ أي: يؤخر عقابهم ومؤاخذتهم بما كسبوا {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} ؛ أي: إلى وقت معين معلوم عند الله تعالى، حدده لأخذهم، لا يقصرون دونه، ولا يتجاوزونه إذا بلغوه، فللعذاب أجل، والله لا يؤاخذ الناس بنفس الظلم، فإن الإنسان ظلوم جهول، وإنما يؤاخذ بالإصرار على المعاصي، وحصول يأس الناس عن إيمانهم، فإذا لم يبق فيهم من يؤمن يهلك الله المكذبين، ولو أخذهم بنفس الظلم .. لكان كل يوم إهلاك {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} ؛ أي: وقت هلاكهم، وأخذهم، ومجازاتهم، وهو يوم القيامة، أو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن، أو يوم القتل والأسر {فَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى يجازيهم بما عملوا من خير أو شر؛ لأن الله تعالى {كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} لا يخفى عليه شيء من أمرهم، دقَّ أو جل، ظهر أو بطن. وجملة {إِن} تعليل للجواب المحذوف، كما قدرناه، وهو العامل في إذا، لا جاء، كما توهّمه الشوكاني؛ لأن القاعدة عندهم: أن إذا خافضة لشرطها منصوبة بجوابها.