45 -ولما كان المشركون يستعجلون بالوعيد استهزاء، فيقولون: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ...} بيَّن أنه لا يعاجلهم بالعقوبة على ما كسبوا لعلّهم يُنيبون أو ينيب بعضهم إلى ربه، ويؤوب إلى رشده فقال: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ} سبحانه {النَّاسَ} جميعًا، ويعاقبهم {بِمَا كَسَبُوا} من الذنوب، وعملوا من الخطايا، {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا} ؛ أي: على ظهر الأرض ووجهها، والكناية راجعة إلى الأرض، وإن لم يسبق لها ذكر؛ لكونها مفهومة من المقام، وقال أبو حيان: وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية في سورة النحل، وقال هناك: {عَلَيْهَا} ، وهنا قال: {عَلَى ظَهْرِهَا} ، والضمير عائد على الأرض، إلا أن هناك يدل عليه سياق الكلام، وهنا يمكن أن يعود على ملفوظ به، وهو قوبه: {فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} ، وقال هناك: {بِظُلْمِهِمْ} وقال هنا: {بِمَا كَسَبُوا} انتهى. وفي"الجمل"وهنا قال: {عَلَى ظَهْرِهَا} استعارة من ظهر الدابة دلالة على التمكن والتقلب عليها، والمقام هنا يناسب ذلك؛ لأنه حث على السير للنظر والاعتبار، والله سبحانه وتعالى أعلم بأسرار كتابه.
فإن قيل: كيف يقال لما عليه الخلق وجه الأرض وظهر الأرض، مع أن الظهر مقابل الوجه، فهو من قبيل إطلاق الضدين على شيء واحد؟
قلتُ: صح ذلك باعتبارين: فإنه يقال لظاهرها: ظهر الأرض من حيث أن الأرض كالدابة الحاملة الأثقال، ويقال له: وجه الأرض؛ لكون الظاهر منها كالوجه للحيوان، وأن غيره كالبطن، وهو الباطن منها اهـ"زاده".