وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم ، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة ، ومن قهر نفسه فهو السابق. وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] {ذلك} الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث {هو الفضل الكبير} قال جار الله: أبدل قوله {جنات عدن} من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو. قلت: ويمكن أن يقال {جنات عدن} مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله {جنات عدن التي وعد الرحمن} [مريم: 61] ولئن سلم أنها نكرة فليكن {يدخلونها} صفة له وخبرها {يحلون} ثم إن ضمير {يدخلون} إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال ؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله {وآخرون مرجون لأمر الله} [التوبة: 106] أو كقوله {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة ، وقد يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له"وفي تقديم {جنات عدن} وبناء الكلام عليها دون أن يقول"يدخلون جنات عدن"إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول. وقد مرت العبارة الاصلية في سورة الحج في قوله {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات} [الآية: 23] إلى قوله {حرير} [الآية: 23] وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم. وفي قوله {يحلون فيها} إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول. وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم ، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب. قال جار الله: أي يحلون بعض